تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } .
وَكَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَالاً لِلْآخَرِ يُورَثُ عَنْهُ مَالَهُ ؛ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ؛ وَلَكِنْ إذَا طَابَتْ نَفْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْآخَرُ مِنْ مَالِهِ فَهَذَا جَائِزٌ ، كَمَا كَانَ السَّلَفُ يَفْعَلُونَ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْآخَرِ وَيَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ؛ لِعِلْمِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } .
وَأَمَّا شُرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَمَ الْآخَرِ .
فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِحَالٍ ، وَأَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ مَعَ النَّجَاسَةِ التَّشْبِيهُ بِاَللَّذَيْنِ يَتَآخَيَانِ مُتَعَاوِنَيْنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ : إمَّا عَلَى فَوَاحِشَ ، أَوْ مَحَبَّةٍ شَيْطَانِيَّةٍ ، كَمَحَبَّةِ الْمُرْدَانِ وَنَحْوِهِمْ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ اشْتِرَاكٍ فِي الصَّنَائِعِ وَنَحْوِهَا .
وَإِمَّا تَعَاوُنٍ عَلَى ظُلْمِ الْغَيْرِ ، وَأَكْلِ مَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ مُؤَاخَاةِ بَعْضِ مَنْ يُنْتَسَبُ إلَى الْمَشْيَخَةِ وَالسُّلُوكِ لِلنِّسَاءِ ، فَيُؤَاخِي أَحَدُهُمْ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَيَخْلُو بِهَا وَقَدْ أَقَرَّ طَوَائِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنْ الْفَوَاحِشِ .
فَمِثْلُ هَذِهِ الْمُؤَاخَاةِ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يَكُونُ فِيهِ تَعَاوُنٌ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَائِناً مَا كَانَ : حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ .
وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي مُؤَاخَاةٍ يَكُونُ مَقْصُودُهُمَا بِهَا التَّعَاوُنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، بِحَيْثُ تَجْمَعُهُمَا طَاعَةُ اللَّهِ ، وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مَعْصِيَةُ اللَّهِ ، كَمَا يَقُولُونَ : تَجْمَعُنَا السُّنَّةُ ، وَتُفَرِّقُنَا الْبِدْعَةُ .
فَهَذِهِ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ .
فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَرَوْنَهَا ، اسْتِغْنَاءً بِالْمُؤَاخَاةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي عَقَدَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؛ فَإِنَّ تِلْكَ كَافِيَةٌ مُحَصِّلَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَهَدَ فِي تَحْقِيقِ أَدَاءِ وَاجِبَاتِهَا ؛ إذْ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ الْحُقُوقِ مَا هُوَ فَوْقَ مَطْلُوبِ النُّفُوسِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّغَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ إذَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ .
وَأَمَّا أَنْ تُقَالَ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ أَدْخَلَ صَاحِبَهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يَشْرِطُهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ : فَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَأَمْثَالُهَا لَا تَصِحُّ ، وَلَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهَا ؛ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكُونُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 471
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧١