744 - 98 - مَسْأَلَةٌ : فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ وَأَمْثَالِهَا ؛ فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَسْتَبِيحُ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ بَعْضٍ : فَمَا حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
هَذِهِ الْفِتَنُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَأَكْبَرِ الْمُنْكَرَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا حَتَّى صَارَ عَنْهُمْ مِنْ الْكُفْرِ مَا صَارَ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ } " فَهَذَا مِنْ الْكُفْرِ ؛ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ لَا يَكْفُرُ بِالذَّنْبِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الْمُقْتَتِلِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ : أَخْبَرَ أَنَّهُمْ إخْوَةٌ ، وَأَمَرَ أَوَّلاً بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ إنْ اقْتَتَلُوا : { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } وَلَمْ يَقْبَلُوا الصَّلَاحَ : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } فَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ بَعْدَ أَنْ { تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } أَيْ تَرْجِعَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ .
فَمَنْ رَجَعَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَجَبَ أَنْ يُعْدَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ ، وَيُقْسَطَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 460
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٠