عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } فَالْبَاغِي الظَّالِمُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَإِنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعُهُ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَلَوْ بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللَّهُ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا دَكّاً .
وَمِنْ حِكْمَةِ الشِّعْرِ : قَضَى اللَّهُ أَنَّ الْبَغْيَ يُصْرَعُ أَهْلُهُ وَأَنَّ عَلَى الْبَاغِي تَدُورُ الدَّوَائِرُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الْآيَةَ ، وَفِي الْحَدِيثِ : { مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْبَغْيِ ، وَمَا حَسَنَةٌ أَحْرَى أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهَا الثَّوَابُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ } " فَمَنْ كَانَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بَاغِياً ظَالِماً فَلِيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ ، وَمَتَى كَانَ مَظْلُوماً مَبْغِيّاً عَلَيْهِ وَصَبَرَ كَانَ لَهُ الْبُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ } قَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ : هُمْ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ إذَا ظُلِمُوا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي حَقِّ عَدُوِّهِمْ : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا فَعَلَ بِهِ إخْوَتُهُ مَا فَعَلُوا فَصَبَرَ وَاتَّقَى حَتَّى نَصَرَهُ اللَّهُ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي عِزِّهِ : { قَالُوا أَإِنَّك لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِصِدْقٍ وَعَدْلٍ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَى الْآخَرِ وَظُلْمِهِ لَمْ يَضُرَّهُ كَيْدُ الْآخَرِ ؛ بَلْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَهَذِهِ الْفِتَنُ سَبَبُهَا الذُّنُوبُ وَالْخَطَايَا فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَيَتُوبَ إلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْفَعُ الْعَذَابَ ، وَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذَّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ
الفتاوى الكبرى — صفحة 462
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٢