تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي { أَنَّ الْقُعُودَ عَنْ الْفِتْنَةِ خَيْرٌ مِنْ الْقِتَالِ فِيهَا } " وَتَقُولُ : إنَّ هَذَا الْقِتَالَ وَنَحْوَهُ هُوَ قِتَالُ الْفِتْنَةِ ؛ كَمَا جَاءَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ ذَلِكَ ؛ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ ؛ وَلَمْ يَرْضَ لَهُ ؛ وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالصُّلْحِ ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِ الْبَاغِي ؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِ ابْتِدَاءً ؛ بَلْ قَالَ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } قَالُوا : وَالِاقْتِتَالُ الْأَوَّلُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ ؛ وَلَا أَمَرَ كُلَّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَ كُلَّ بَاغٍ كَفَرَ ؛ بَلْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ بَلْ غَالِبُ النَّاسِ : لَا يَخْلُو مِنْ ظُلْمٍ وَبَغْيٍ ؛ وَلَكِنْ إذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَالْوَاجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا ؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا مَأْمُورَةً بِالْقِتَالِ ، فَإِذَا بَغَتْ الْوَاحِدَةُ بَعْدَ ذَلِكَ قُوتِلَتْ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكْ الْقِتَالَ ؛ وَلَمْ تُجِبْ إلَى الصُّلْحِ ؛ فَلَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهَا إلَّا بِالْقِتَالِ فَصَارَ قِتَالُهَا بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الصَّائِلِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ ظُلْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ } " . قَالُوا : فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ جَمِيعَ الْعَسْكَرِ بُغَاةٌ فَلَمْ نُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ ابْتِدَاءً ؛ بَلْ أُمِرْنَا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ . " وَأَيْضاً ، فَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ إذَا كَانَ الَّذِينَ مَعَ عَلِيٍّ نَاكِلِينَ عَنْ الْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِي الْخِلَافِ عَلَيْهِ ضَعِيفِي الطَّاعَةِ لَهُ . " وَالْمَقْصُودُ " أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُبِيحُ لَعْنَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا يُوجِبُ فِسْقَهُ . وَأَمَّا " أَهْلُ الْبَيْتِ " فَلَمْ يَسُبُّوا قَطُّ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَلَمْ يَقْتُلْ الْحَجَّاجُ أَحَداً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَإِنَّمَا قَتَلَ رِجَالاً مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَلَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَلَا بَنُو هَاشِمٍ وَلَا بَنُو أُمَيَّةَ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ؛ حَيْثُ لَمْ يَرَوْهُ كُفْئاً . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 459 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا