تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
جَعَلَهُمْ مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ مُؤْمِنِينَ إخْوَةً ؛ بَلْ مَعَ أَمْرِهِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ جَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ بَغْياً وَظُلْماً أَوْ عُدْوَاناً يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ ؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ ؟ ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِياً ، أَوْ ظَالِماً ، أَوْ مُعْتَدِياً ، أَوْ مُرْتَكِباً مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ " قِسْمَانِ " مُتَأَوِّلٌ ، وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ ، فَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ : كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا ، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ حِلَّ أُمُورٍ ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا كَمَا اسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ بَعْضَ عُقُودِ التَّحْلِيلِ وَالْمُتْعَةِ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ ، فَقَدْ جَرَى ذَلِكَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ خِيَارِ السَّلَفِ . فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ . وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ . وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ مَلُوماً وَلَا مَانِعاً لِمَا عُرِفَ مِنْ عِلْمِهِ وَدِينِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُونُ إثْماً وَظُلْماً ، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقاً ، بَلْ مَتَى عَلِمَ تَحْرِيمَهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْراً . فَالْبَغْيُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ . أَمَّا إذَا كَانَ الْبَاغِي مُجْتَهِداً وَمُتَأَوِّلاً ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُ بَاغٍ ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئاً فِي اعْتِقَادِهِ : لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ " بَاغِياً " مُوجِبَةً لِإِثْمِهِ ، فَضْلاً عَنْ أَنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ . وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَقُولُونَ : مَعَ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قِتَالُنَا لَهُمْ لِدَفْعِ ضَرَرِ بَغْيِهِمْ ؛ لَا عُقُوبَةً لَهُمْ ؛ بَلْ لِلْمَنْعِ مِنْ الْعُدْوَانِ . وَيَقُولُونَ : إنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ ؛ لَا يَفْسُقُونَ . وَيَقُولُونَ هُمْ كَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، كَمَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّاسِي وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُمْ ؛ بَلْ تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِنْ الْعُدْوَانِ . وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَهَكَذَا مَنْ رُفِعَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ الْحُدُودِ وَتَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ عَلَيْهِ