وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوَلَّدَ كَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ .
فَطَائِفَةٌ سَبَّتْ السَّلَفَ وَلَعَنَتْهُمْ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذُنُوباً ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَهَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ ؛ بَلْ قَدْ يُفَسِّقُونَهُمْ ؛ أَوْ يُكَفِّرُونَهُمْ ، كَمَا فَعَلَتْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَمَنْ تَوَلَّاهُمَا ، وَلَعَنُوهُمْ ، وَسَبُّوهُمْ ، وَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ .
وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ } " وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَتُقَاتِلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ لِأَجْلِ الْحَقِّ } " وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمَارِقَةُ الَّذِينَ مَرَقُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَفَّرُوا كُلَّ مَنْ تَوَلَّاهُ .
وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَةٌ مَعَ عَلِيٍّ ، وَفِرْقَةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ .
فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ عَلِيّاً وَأَصْحَابَهُ ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَيْضاً فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { قَالَ عَنْ الْحَسَنِ ابْنِهِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } " " فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيَةَ " .
{ وَأَثْنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ وَسَمَّاهُ سَيِّداً بِذَلِكَ ؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَيَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
وَلَوْ كَانَ الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ يَكُونُ الْحَسَنُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ ، أَوْ الْأَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مَحْمُودٌ ، مَرْضِيٌّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَضَعُهُ عَلَى فَخِذِهِ ، وَيَضَعُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمَا ، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا } " وَهَذَا أَيْضاً مِمَّا ظَهَرَ فِيهِ مَحَبَّتُهُ وَدَعْوَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا أَشَدَّ النَّاسِ رَغْبَةً فِي الْأَمْرِ الَّذِي مَدَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ الْحَسَنَ ؛ وَأَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهَةً لِمَا يُخَالِفُهُ .
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَتْلَى مِنْ أَهْلِ صِفِّينَ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ ، الَّذِينَ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ مَدَحَ الصُّلْحَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِمْ ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقِينَ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ ، وَظَهَرَ مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ السُّرُورُ بِقِتَالِهِمْ ؛ وَمِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ : مَا قَدْ ظَهَرَ عَنْهُ وَأَمَّا قِتَالُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَثَرٌ ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ سُرُورٌ ؛ بَلْ ظَهَرَ مِنْهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 454
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٤