مُنَافِقاً ، وَلَا اسْتَعْمَلَا مِنْ أَقَارِبِهِمَا ، وَلَا كَانَ تَأْخُذُهُمَا فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ؛ بَلْ لَمَّا قَاتَلَا أَهْلَ الرِّدَّةِ وَأَعَادُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ مَنَعُوهُمْ رُكُوبَ الْخَيْلِ وَحَمْلَ السِّلَاحِ حَتَّى تَظْهَرَ صِحَّةُ تَوْبَتِهِمْ ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ : لَا تَسْتَعْمِلْ أَحَداً مِنْهُمْ ، وَلَا تُشَاوِرْهُمْ فِي الْحَرْبِ .
فَإِنَّهُمْ كَانُوا أُمَرَاءَ أَكَابِرَ : مِثْلُ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيِّ ، وَأَمْثَالُهُمْ ، فَهَؤُلَاءِ لَمَّا تَخَوَّفَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْهُمْ نَوْعَ نِفَاقٍ لَمْ يُوَلِّهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
فَلَوْ كَانَ " عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ " " وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَمْثَالُهُمَا " مِمَّنْ يُتَخَوَّفُ مِنْهُمَا النِّفَاقُ لَمْ يُوَلَّوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ بَلْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدْ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُنَافِقاً ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ عَلَى نَجْرَانَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَبَا مُعَاوِيَةَ ، وَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَانَ نَائِبُهُ عَلَى نَجْرَانَ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ إسْلَامَ مُعَاوِيَةَ خَيْرٌ مِنْ إسْلَامِ أَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ مُنَافِقِينَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتَمِنُهُمْ عَلَى أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ؟ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَغَيْرَهُمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْفِتَنِ مَا كَانَ ، وَلَمْ يَتَّهِمْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ ، لَا مُحَارَبُوهُمْ ، وَلَا غَيْرُ مُحَارِبِيهِمْ : بِالْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ صَادِقُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، مَأْمُونُونَ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَالْمُنَافِقُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ هُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهِ ، مُكَذِّبٌ لَهُ .
وَإِذَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، مُحِبِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ : فَمَنْ لَعَنَهُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا مَعْنَاهُ : { أَنَّ رَجُلاً يُلَقَّبُ حِمَاراً ، وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، وَكَانَ كُلَّمَا شَرِبَ أُتِيَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ مَرَّةً ، فَقَالَ رَجُلٌ : لَعَنَهُ اللَّهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتِي بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لَا تَلْعَنُوهُ ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } " .
وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ حُبٍّ وَغَيْرِهِ .
هَذَا مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَعَنَ الْخَمْرَ ، وَعَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَشَارِبَهَا ، وَسَاقِيَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا } وَقَدْ نَهَى عَنْ لَعْنَةِ هَذَا الْمُعَيَّنِ ، لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِنْ " بَابِ الْوَعِيدِ " فَيُحْكَمُ بِهِ عُمُوماً .
وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَقَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْوَعِيدُ لِتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ ، أَوْ شَفَاعَةٍ
الفتاوى الكبرى — صفحة 451
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥١