تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
مَقْبُولَةٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ضَرَرُهَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَةَ عَنْ الْمُذْنِبِ . فَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ ذَنْبٌ مُحَقَّقٌ . وَكَذَلِكَ " حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ ، فَعَلَ مَا فَعَلَ وَكَانَ يُسِيءُ إلَى مَمَالِيكِهِ حَتَّى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ غُلَامَهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ النَّارَ . قَالَ : كَذَبْت ، إنَّهُ شَهِدَ بَدْراً ، وَالْحُدَيْبِيَةَ } " . وَفِي الصَّحِيحِ { عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَهُ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَقَالَ لَهُمَا : ائْتِيَا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً ، وَمَعَهَا كِتَابٌ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى لَقِينَا الظَّعِينَةَ ، فَقُلْنَا : أَيْنَ الْكِتَابُ ؟ فَقَالَتْ : مَا مَعِي كِتَابٌ فَقُلْنَا لَهَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ ، أَوْ لَأُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ ، قَالَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إلَى بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا فَعَلْتُ هَذَا ارْتِدَاداً عَنْ دِينِي ، وَلَا رِضَاءً بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ؛ وَلَكِنْ كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَكَانَ مَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهِمْ أَهَالِيَهُمْ بِمَكَّةَ ، فَأَحْبَبْت إذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي . وَفِي لَفْظٍ : وَعَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّك . يَعْنِي لِأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا . فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً ، وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمْ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ } " فَهَذِهِ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ غَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ بِشُهُودِ بَدْرٍ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ الْعَظِيمَةَ يَغْفِرُ اللَّهُ بِهَا السَّيِّئَةَ الْعَظِيمَةَ ، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ } " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ : مَعَ قَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } وَلِهَذَا لَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّنٍ بِالْجَنَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالنَّارِ إلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ ؛ وَلَا يُشْهَدُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ مِنْ انْدِرَاجِهِمْ فِي الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْعُمُومَيْنِ فَيَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
الفتاوى الكبرى — صفحة 452 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا