الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ فَالْمُنْهَزِمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ ، وَالْمَقْتُولُ أَصَابَهُ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَمْ يُصِبْ الْمَهْزُومَ ؛ ثُمَّ إذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ مُكَفِّرَةٌ لِإِثْمِ الْمُقَاتَلَةِ فَلَأَنْ لَا تَكُونَ مُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ مُكَفِّرَةً أَوْلَى ؛ بَلْ إثْمُ الْمُنْهَزِمِ الْمُصِرِّ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ الْمَقْتُولِ فِي الْمَعْرَكَةِ ، وَاسْتِحْقَاقُهُ لِلنَّارِ أَشَدُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ السَّيِّئِ بِمَوْتِهِ ؛ وَهَذَا مُصِرٌّ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ مُنْهَزِمَ الْبُغَاةِ يُقْتَلُ إذَا كَانَ لَهُ طَائِفَةٌ يَأْوِي إلَيْهَا فَيُخَافُ عَوْدُهُ ؛ بِخِلَافِ الْمُثْخَنِ بِالْجُرْحِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ .
وَسَبَبُهُ أَنَّ هَذَا انْكَفَّ شَرُّهُ ، وَالْمُنْهَزِمُ لَمْ يَنْكَفَّ شَرُّهُ .
وَأَيْضاً فَالْمَقْتُولُ قَدْ يُقَالُ : إنَّهُ بِمُصِيبَةِ الْقَتْلِ قَدْ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَمُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ دُونَ مُصِيبَةِ الْقَتْلِ .
فَظَهَرَ أَنَّ الْمَهْزُومَ أَسْوَأُ حَالاً مِنْ الْمَقْتُولِ إذَا كَانَ مُصِرّاً عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ .
وَمَنْ تَابَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
742 - 96 - سُئِلَ : عَنْ " الْبُغَاةِ ، وَالْخَوَارِجِ " : هَلْ هِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ؟ أَمْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ؟ وَهَلْ فَرَّقَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَحْكَامِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِمَا ، أَمْ لَا ؟ وَإِذَا ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الْأَئِمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ ، إلَّا فِي الِاسْمِ ؛ وَخَالَفَهُ مُخَالِفٌ مُسْتَدِلّاً بِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ النَّهْرَوَانِ : فَهَلْ الْحَقُّ مَعَ الْمُدَّعِي ؟ أَوْ مَعَ مُخَالِفِهِ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ الْأَئِمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الِاسْمِ .
فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ ، وَمُدَّعِيهَا مُجَازِفٌ ، فَإِنَّ نَفْيَ الْفَرْقِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَجْعَلُونَ قِتَالَ أَبِي بَكْرٍ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَقِتَالَ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ ، وَقِتَالَهُ لِأَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ .
مِنْ بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 443
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٣