تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ عَمْرٌو : يُؤْتَى بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لِي : يَا عَمْرُو مِنْ أَيْنَ قُلْتَ : إنِّي لَا أَغْفِرُ لِقَاتِلٍ ؟ فَأَقُولُ أَنْتَ يَا رَبِّ قُلْتَ : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } . قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنْ قَالَ لَكَ : فَإِنِّي قُلْتَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } . فَمِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنِّي لَا أَشَاءُ أَنْ أَغْفِرَ لِهَذَا ؟ فَسَكَتَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ 648 - 2 سُئِلَ : عَنْ الْقَاتِلِ عَمْداً ، أَوْ خَطَأً : هَلْ تُدْفَعُ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } ؟ أَوْ يُطَالَبُ بِدِيَةِ الْقَاتِلِ ؟ الْجَوَابُ : قَتْلُ الْخَطَأِ : لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ ، وَلَا إثْمَ فِيهِ . وَأَمَّا الْقَاتِلُ عَمْداً فَعَلَيْهِ الْإِثْمُ ، فَإِذَا عَفَى عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ ، أَوْ أَخَذُوا الدِّيَةَ : لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّ الْمَقْتُولِ فِي الْآخِرَةِ . وَإِذَا قَتَلُوهُ فَفِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ . وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا يَسْقُطَ ؛ لَكِنَّ الْقَاتِلَ إذَا كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْهُ بَعْضُهَا مَا يُرْضِي بِهِ الْمَقْتُولَ ، أَوْ يُعَوِّضُهُ اللَّهُ مِنْ عِنْدِهِ إذَا تَابَ الْقَاتِلُ تَوْبَةً نَصُوحاً . وَقَاتِلُ الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُعَاهَدِ كَمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ ؛ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ ؛ لَكِنَّ بَعْضَ مُتَأَخِّرِي الظَّاهِرِيَّةِ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي لَا دِيَةَ لَهُ . وَأَمَّا " الْقَاتِلُ عَمْداً " فَفِيهِ الْقَوَدُ ، فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى الدِّيَةِ جَازَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَكَانَتْ الدِّيَةُ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ ؛ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ . وَأَمَّا " الْكَفَّارَةُ " فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : قَتْلُ الْعَمْدِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، كَمَا اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ ؛ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : بَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْعَمْدِ ، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِثْمَ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْكَفَّارَةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 386 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا