الْحَمْلِ ؛ لِكَوْنِهَا حَامِلاً بِوَلَدِهِ ؛ فَهِيَ نَفَقَةٌ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ أَبَاهُ ، لَا عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا زَوْجَةً .
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ؛ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، وَقَالَ هُنَا : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
فَجَعَلَ أَجْرَ الْإِرْضَاعِ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَامِلِ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَجْرَ الْإِرْضَاعِ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِهِ أَباً ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْحَامِلِ ؛ وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ وَرِزْقَهَا وَكِسْوَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ ؛ وَقَدْ جُعِلَ أَجْرُ الْمُرْضِعَةِ كَذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أَيْ وَارِثِ الطِّفْلِ ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ .
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ مِنْ " بَابِ نَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ " ؛ لَا مِنْ " بَابِ نَفَقَةِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ " .
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةٌ بَلْ كَانَتْ حَامِلاً بِوَطْءِ شُبْهَةٍ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ أَوْ كَانَتْ حَامِلاً مِنْهُ وَقَدْ أَعْتَقَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْإِرْضَاعِ ؛ وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ لِغَيْرِهِ ، كَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ إرْثٍ فَالْوَلَدُ هُنَا لِسَيِّدِ الْأَمَةِ ، فَلَيْسَ عَلَى الْوَاطِئِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ زَوْجاً ، وَلَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ حُرَّةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَالنَّسَبُ هَهُنَا لَاحِقٌ ؛ لَكِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ ؛ وَالْوَلَدُ الْحُرُّ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ الْعَبْدِ ؛ وَلَا أُجْرَةُ رَضَاعِهِ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى وَلَدِهِ ، وَسَيِّدُهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي وَلَدِهِ ؛ فَإِنَّ وَلَدَهُ : إمَّا حُرٌّ ، وَإِمَّا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ ، نَعَمْ ، لَوْ كَانَتْ الْحَامِلُ أَمَةً وَالْوَلَدُ حُرٌّ مِثْلُ الْمَغْرُورِ الَّذِي اشْتَرَى أَمَةً فَظَهَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ ، أَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةً ؛ فَهُنَا الْوَلَدُ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً مَمْلُوكَةً لِغَيْرِ الْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَطِئَ مَنْ يَعْتَقِدُهَا مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ زَوْجَةً حُرَّةً ، وَبِهَذَا قَضَتْ الصَّحَابَةُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ بِشِرَاءِ الْوَلَدِ وَهُوَ نَظِيرُهُ فَهُنَا الْآنَ يُنْفِقُ عَلَى الْحَامِلِ كَمَا يُنْفِقُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ لَهُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
646 - 27 - مَسْأَلَةٌ : فِي الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ إذَا تَحَاكَمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ ؛ هَلْ الْقَوْلُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 377
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٧