كِتَابُ النَّفَقَاتْ
620 - 1 - مَسْأَلَةٌ : فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ عِنْدَ قَوْمٍ مُدَّةَ سَنَةٍ ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ كَلَامٌ ، فَادَّعُوا عَلَيْهِ بِكِسْوَةِ سَنَةٍ ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ ، ثُمَّ ادَّعُوا عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ ، وَقَالُوا : هِيَ تَحْتَ الْحَجْرِ ؛ وَمَا أَذِنَّا لَك أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا : فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
إذَا كَانَ الزَّوْجُ تَسَلَّمَهَا التَّسْلِيمَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ أَوْ أَبُوهُ أَوْ نَحْوُهُمَا يُطْعِمُهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ : لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ بِالنَّفَقَةِ ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْفَاقُ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ ، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ ؛ بَلْ مَنْ كَلَّفَ الزَّوْجَ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى أَبِيهَا دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ لَهَا بِهَا مَا يُطْعِمُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنْ [ كَانَ ] هَذَا قَدْ قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ .
فَكَيْفَ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارِ الْأَبِ لَهَا بِذَلِكَ ؛ وَتَسْلِيمِهَا إلَيْهِمْ ؛ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْأَكْلِ ؛ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ النَّفَقَةَ ؛ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تَحْتَمِلُهُ أَصْلاً .
وَمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مُعْتَقِداً أَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لَهَا كَالدَّيْنِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَلِيُّ ، وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ : كَانَ مُخْطِئاً مِنْ وُجُوهٍ .
مِنْهَا : أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّفَقَةِ إطْعَامُهَا ؛ لَا حِفْظُ الْمَالِ لَهَا .
الثَّانِي : أَنَّ قَبْضَ الْوَلِيِّ لَهَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ ؛ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا بِالشَّرْعِ ، وَالشَّارِعُ أَوْجَبَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا ، فَلَوْ نَهَى الْوَلِيُّ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ .
الرَّابِعُ : إقْرَارُهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 359
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٩