تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
وَيُحِلُّوا مَا رَأَوْا تَحْلِيلَهُ مَصْلَحَةً ، وَلَيْسَ هَذَا دِينُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَوِّغُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ . وَمَنْ اعْتَقَدَ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ كَمَا يُسْتَتَابُ أَمْثَالُهُ ؛ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ الْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي فَيُصِيبُ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرَانِ ، وَيُخْطِئُ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ . وَمَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْعاً مُعَلَّقاً بِسَبَبٍ إنَّمَا يَكُونُ مَشْرُوعاً عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ : كَإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَبَعْضُ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ هَذَا نُسِخَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَى عَنْ التَّأَلُّفِ ، { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ، وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ ؛ وَلَكِنَّ عُمَرُ اسْتَغْنَى فِي زَمَنِهِ عَنْ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، فَتَرَكَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ؛ لَا لِنَسْخِهِ ، كَمَا لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عُدِمَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ابْنُ السَّبِيلِ ، وَالْغَارِمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَمُتْعَةُ الْحَجِّ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا ، وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ : لَمْ يُحَرِّمْهَا ؛ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالْأَفْضَلِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَحَدُهُمْ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُمْرَةَ أَفْضَلُ مِنْ عُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، حَتَّى إنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ مَنْصُوصٌ عَنْهُ : أَنَّهُ إذَا اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ فِي أَشْهُرِهِ : فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ؛ مَعَ قَوْلِهِمَا بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ الْمُجَرَّدِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّ عُمَرَ أَرَادَ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ . قَالُوا ، إنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ بِهِ لَا يَجُوزُ ، وَأَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ مِنْ الْفَسْخِ كَانَ خَاصّاً بِهِمْ ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ : كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ . وَآخَرُونَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَابَلُوا هَذَا ، وَقَالُوا : بَلْ الْفَسْخُ وَاجِبٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ إلَّا مُتَمَتِّعاً : مُبْتَدَأً ، أَوْ فَاسِخاً ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْفَسْخَ جَائِزٌ ، وَهُوَ أَفْضَلُ . وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُفْسَخَ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : كَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ ؛ وَلَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً مُجْمَعاً عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَحُجَّ مُتَمَتِّعاً ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ . فَأَمَّا حَجُّ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ : فَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كَمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الصَّوْمِ