تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
فَجِنْسُهُ مَشْرُوعٌ : كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ ؛ فَهُوَ يَحِلُّ تَارَةً ، وَيَحْرُمُ تَارَةً فَيَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ ، كَمَا يَنْقَسِمُ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ . وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْجِنْسِ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ بِالظِّهَارِ فَأَبْطَلَ الشَّارِعُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ : كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ مُحَرَّمٍ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِلَّا فَهُمْ كَانُوا يَقْصِدُونَ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ ؛ كَلَفْظِ الْحَرَامِ . وَهَذَا قِيَاسُ أَصْلِ الْأَئِمَّةِ : مَالِكٍ ؛ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . وَلَكِنْ الَّذِي خَالَفُوا قِيَاسَ أُصُولِهِمْ فِي الطَّلَاقِ خَالَفُوهُ لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ الْآثَارِ . فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالُوا : هُمْ أَعْلَمُ بِقِصَّتِهِ ، فَاتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ . وَمَنْ نَازَعَهُمْ يَقُولُ : مَا زَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ وَلَا تَأْخُذُ الْعُلَمَاءُ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْهَا ؛ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ ؛ لَا بِمَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوهُ . وَقَدْ تَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ : { فَاقْدُرُوا لَهُ } ، وَتَرَكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا تَفْسِيرَهُ لِحَدِيثِ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ } مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ . وَتَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَفْسِيرَهُ لِقَوْلِهِ : { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } . وَقَوْلُهُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا . وَكَذَلِكَ إذَا خَالَفَ الرَّاوِي مَا رَوَاهُ ، كَمَا تَرَكَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا ؛ مَعَ أَنَّهُ رَوَى { حَدِيثَ بَرِيرَةَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ خَيَّرَهَا بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ وَعَتَقَتْ } ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ ، لَا مَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوهُ . وَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ عَنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَلْزَمُوا بِالثَّلَاثِ الْمَجْمُوعَةِ قَالُوا : لَا يُلْزِمُونَ بِذَلِكَ إلَّا وَذَلِكَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ ؛ وَاعْتَقَدَ طَائِفَةٌ لُزُومَ هَذَا الطَّلَاقِ وَإِنَّ ذَلِكَ إجْمَاعٌ ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْلَمُوا خِلَافاً ثَابِتاً ؛ لَا سِيَّمَا وَصَارَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ مَعْرُوفاً عَنْ الشِّيعَةِ الَّذِينَ لَمْ يَنْفَرِدُوا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحَقٍّ . قَالَ الْمُسْتَدِلُّونَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ بَعْضُ الشِّيعَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَقُولُونَ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 257 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا