تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
تُشْرَعُ ؟ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ يَرَى الْإِمَامُ أَنْ يُعَاقِبَ بِنَوْعٍ لَا يَرَى الْعُقُوبَةَ بِهِ غَيْرُهُ ، كَتَحْرِيقِ عَلِيٍّ الزَّنَادِقَةَ بِالنَّارِ ؛ وَقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ اسْتَحَقَّ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجاً وَمَخْرَجاً ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعُقُوبَةَ ؛ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ إلَّا طَلَاقاً سُنِّيّاً ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ فِي بَابِ الطَّلَاقِ . فَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَوَجَّهُ إلْزَامُهُ بِالثَّلَاثِ مَجْمُوعَةً ؛ بَلْ يَلْزَمُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا . وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ عَظِيمَةٌ ؛ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ مُجَلَّدَيْنِ ؛ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهَا هَهُنَا تَنْبِيهاً لَطِيفاً . وَاَلَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ : كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ فِي الْخَمْرِ . وَإِمَّا لِاخْتِلَافِ اجْتِهَادِهِمْ فَرَأَوْهُ لَازِماً ، وَتَارَةً غَيْرَ لَازِمٍ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِكَوْنِ لُزُومِ الثَّلَاثِ شَرْعاً لَازِماً ، كَسَائِرِ الشَّرَائِعِ : فَهَذَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ . وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الرَّاجِحِ لِهَذَا الْمُوقِعِ أَنْ يَلْتَزِمَ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَيُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ ؛ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَائِضاً ، إذَا كَانَ مِمَّنْ اتَّقَى اللَّهَ وَتَابَ مِنْ الْبِدْعَةِ فَصْلٌ وَأَمَّا الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ فَمَنْشَأُ النِّزَاعِ فِي وُقُوعِهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ } . فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : { فَلْيُرَاجِعْهَا } أَنَّهَا رَجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ . وَبَنَوْا عَلَى هَذَا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْحَيْضِ يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا مَعَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ . وَهَلْ هُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ ؟ أَوْ أَمْرُ إيجَابٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَالِاسْتِحْبَابُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ . وَالْوُجُوبُ مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَهَلْ يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَلِي حَيْضَةَ الطَّلَاقِ ؟ أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا إلَّا فِي طُهْرٍ مِنْ حَيْضَةٍ ثَانِيَةٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضاً ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَوَجْهَانِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ الثَّانِي ؟ جُمْهُورُهُمْ لَا يُوجِبُهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ ، وَهُوَ وَجْهٌ