جَامِعُ الثَّلَاثِ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ .
هَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ؛ بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى بَعْضِهِ ؛ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هَلْ يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ ؟ أَوْ يَقَعُ ثَلَاثٌ ؟ وَالنِّزَاعُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ ؛ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ شَرْعاً لَازِماً لِلْأُمَّةِ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا : مِنْ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا إجْمَاعٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ احْتَجَّ عَلَى هَذَا بِالْكِتَابِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ : وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحُجَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لَكِنَّ الْمُنَازَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا حُجَجٌ ضَعِيفَةٌ ، وَأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاعْتِبَارَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ اللُّزُومِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا إجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ بَلْ الْآثَارُ الثَّابِتَةُ عَمَّنْ أُلْزِمَ بِالثَّلَاثِ مَجْمُوعَةً عَنْ الصَّحَابَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِمَّا شَرَعَهُ النَّبِيُّ لِأُمَّتِهِ شَرْعاً لَازِماً ، كَمَا شُرِعَ تَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ ؛ بَلْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِي الْعُقُوبَةِ بِإِلْزَامِ ذَلِكَ إذَا كَثُرَ وَلَمْ يَنْتَهِ النَّاسُ عَنْهُ .
وَقَدْ ذُكِرَتْ الْأَلْفَاظُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَلْزَمُوا بِالثَّلَاثِ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ بِإِيقَاعِهَا جُمْلَةً ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ يَتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } فَمَنْ لَا يَعْلَمُ التَّحْرِيمَ حَتَّى أَوْقَعَهَا ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمَ التَّحْرِيمَ تَابَ وَالْتَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْمُحَرَّمِ ، فَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ ؛ وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ : الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالْقِيَاسِ ، مَا يُوجِبُ لُزُومَ الثَّلَاثِ لَهُ ، وَنِكَاحُهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ ، وَامْرَأَتُهُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْغَيْرِ بِيَقِينٍ ، وَفِي إلْزَامِهِ بِالثَّلَاثِ إبَاحَتُهَا لِلْغَيْرِ مَعَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَذَرِيعَةٌ إلَى نِكَاحِ التَّحْلِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .
وَنِكَاحُ التَّحْلِيلِ لَمْ يَكُنْ ظَاهِراً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَخُلَفَائِهِ .
وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ أَنَّ امْرَأَةً أُعِيدَتْ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى عَهْدِهِمْ إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ ؛ بَلْ : { لَعَنَ النَّبِيُّ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } ، وَ { لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَكَاتِبَهُ } .
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّحْلِيلِ الشُّهُودَ وَلَا الزَّوْجَةَ وَلَا الْوَلِيَّ ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ الَّذِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 258
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٨