تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
الشَّرْطِ : مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ طَلَاقِك فَأَنْتَ طَالِقٌ . فَتُبْرِئُهُ . أَوْ يَكُونُ غَرَضُهُ أَنَّهَا إذَا فَعَلَتْ فَاحِشَةً أَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَيَقُولُ : إذَا فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ؛ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهَا لِيَمْنَعَهَا ؛ وَلَوْ فَعَلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَلَاقِهَا ، فَإِنَّهَا تَارَةً يَكُونُ طَلَاقُهَا أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ ، فَيَكُونُ حَالِفاً . وَتَارَةً يَكُونُ الشَّرْطُ الْمَكْرُوهُ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ طَلَاقِهَا . فَيَكُونُ مُوقِعاً لِلطَّلَاقِ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ ، فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ ، فَشُفِيَ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ . فَالْأَصْلُ فِي هَذَا : أَنْ يُنْظَرَ إلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَقْصُودِهِ ، فَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْأُمُورُ وَقَعَتْ مُنَجَّزَةً أَوْ مُعَلَّقَةً إذَا قَصَدَ وُقُوعَهَا عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ . وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا ؛ وَهُوَ يَكْرَهُ وُقُوعَهَا إذَا حَنِثَ وَإِنْ وَقَعَ الشَّرْطُ فَهَذَا حَالِفٌ بِهَا ؛ لَا مُوقِعٌ لَهَا ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ ؛ لَا مِنْ بَابِ التَّطْلِيقِ ، وَالنَّذْرِ ، فَالْحَالِفُ هُوَ الَّذِي يَلْتَزِمُ مَا يَكْرَهُ وُقُوعَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ ، كَقَوْلِهِ : إنْ فَعَلَ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ ؛ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، وَنِسَائِي طَوَالِقُ ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ، وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ . فَهَذَا وَنَحْوُهُ يَمِينٌ ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ مِنْ نَاذِرٍ وَمُطَلِّقٍ وَمُعَلِّقٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْصِدُ وَيَخْتَارُ لُزُومَ مَا الْتَزَمَهُ ، وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ ، لَكِنَّ هَذَا الْحَالِفَ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ الْمَلْزُومُ ، كَمَا إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، فَإِنَّ هَذَا يَكْرَهُ الْكُفْرَ ، وَلَوْ وَقَعَ الشَّرْطُ : فَهَذَا حَالِفٌ . وَالْمُوقِعُ يَقْصِدُ وُقُوعَ الْجَزَاءِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ الْمَلْزُومِ ؛ سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ مُرَاداً لَهُ ، أَوْ مَكْرُوهاً ، أَوْ غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ : فَهَذَا مُوقِعٌ لَيْسَ بِحَالِفٍ . وَكِلَاهُمَا مُلْتَزِمٌ مُعَلِّقٌ ؛ لَكِنْ هَذَا الْحَالِفُ يَكْرَهُ وُقُوعَ اللَّازِمِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ ، وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . كَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِمَا : فِي تَعْلِيقِ النَّذْرِ . قَالُوا : إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ النَّذْرَ فَقَالَ : لَئِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ الْحَجُّ . فَهُوَ نَاذِرٌ إذَا شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ فَهَذَا حَالِفٌ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَا حَجَّ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِثْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ . وَزَيْنَبَ رَبِيبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَنْ قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ . قَالُوا : " يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ " . هَذَا مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ ؛ فَالطَّلَاقُ لَا يَلْزَمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، كَمَا قَالَ ابْنُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 235 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا