تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
أَغْنَى الْمُسْلِمِينَ بِنَبِيِّهِمْ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } . أَيْ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ ؛ وَمِنْ الدُّخُولِ فِي مُنْكَرَاتِ أَهْلِ الْحِيَلِ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْإِيقَاعُ وَاَلَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ : فَالْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ مُرِيداً لِلْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَكْرُوهاً لَهُ ، لَكِنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ يُرِيدُ الطَّلَاقَ ؛ لِكَوْنِ الشَّرْطِ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَكْرَهُ طَلَاقَهَا ، وَيَكْرَهُ الشَّرْطَ ، لَكِنْ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ طَلَاقَهَا : مِثْلُ أَنْ يَكُونَ كَارِهاً لِلتَّزَوُّجِ بِامْرَأَةٍ بَغِيٍّ أَوْ فَاجِرَةٍ أَوْ خَائِنَةٍ أَوْ هُوَ لَا يَخْتَارُ طَلَاقَهَا ؛ لَكِنْ إذَا فَعَلَتْ هَذِهِ الْأُمُورَ : اخْتَارَ طَلَاقَهَا ؛ فَيَقُولُ إنْ زَنَيْت أَوْ سَرَقْت أَوْ خُنْت فَأَنْتِ طَالِقٌ . وَمُرَادُهُ إذَا فَعَلْت ذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا : إمَّا عُقُوبَةً لَهَا ؛ وَإِمَّا كَرَاهَةً لِمَقَامِهِ مَعَهَا عَلَى هَذَا الْحَالِ : فَهَذَا مُوقِعٌ لِلطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ ، لَا حَالِفٌ ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ : كَابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وَابْنِ عُمَرَ ؛ وَعَنْ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ؛ وَمَا عَلِمْت أَحَداً مِنْ السَّلَفِ قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا : إنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ؛ وَلَكِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الشِّيعَةِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ . وَهَذَا لَيْسَ بِحَالِفٍ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَلَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ سَمَّى هَذَا حَالِفاً ، كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مُعَلِّقٍ حَالِفاً ؛ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مُنَجِّزٍ لِلطَّلَاقِ حَالِفاً . وَهَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ ؛ وَلَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ، وَلَا كَلَامِ الصَّحَابَةِ ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَلِكَ يَمِيناً لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ . مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْمُسَمَّى . وَهُوَ ظَنُّهُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الصِّفَةِ . وَأَمَّا التَّعْلِيقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ فَيُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنَاهُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ ، بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ مَعْنَاهُ : صِيغَةُ الْقَسَمِ . وَهَذَا الْقَسَمُ إذَا ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ فَإِنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ كَارِهاً لِلْجَزَاءِ ؛ وَهُوَ أَكْرَهُ إلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ : فَيَكُونُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 238 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا