تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
535 - 137 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ، عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ سِنِينَ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً ، وَكَانَ وَلِيُّ نِكَاحِهَا فَاسِقاً ، فَهَلْ يَصِحُّ عَقْدُ الْفَاسِقِ ، بِحَيْثُ إذَا طَلَّقَ ثَلَاثاً لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ نِكَاحِ غَيْرِهِ ، أَوْ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ ؟ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكِحَهَا غَيْرُهُ ؟ أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، إنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً فَقَدْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْوَلِيِّ هَلْ كَانَ عَدْلاً أَوْ فَاسِقاً ، لِيَجْعَلَ فِسْقَ الْوَلِيِّ ذَرِيعَةً إلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ يُصَحِّحُونَ وِلَايَةَ الْفَاسِقِ ، وَأَكْثَرُهُمْ يُوقِعُونَ الطَّلَاقَ فِي مِثْلِ هَذَا النِّكَاحِ ، بَلْ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ . وَإِذَا فَرَّعَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِيهِ ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِلَّ الْحَلَالَ مَنْ يُحَرِّمُ الْحَرَامَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ الشَّيْءَ حَلَالاً حَرَاماً ، وَهَذَا الزَّوْجُ كَانَ يَسْتَحِلُّ وَطْأَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ مَاتَتْ لَوَرِثَهَا ، فَهُوَ عَامِلٌ عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَكَيْفَ يَعْمَلُ بَعْدَ الطَّلَاقِ عَلَى فَسَادِهِ ؟ فَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحاً إذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي صِحَّتِهِ ، فَاسِداً إذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي فَسَادِهِ . وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ الشَّيْءِ ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَافَقَ غَرَضَهُ أَوْ خَالَفَهُ ، وَمَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِي الْحَالَيْنِ . وَهَؤُلَاءِ الْمُطَلِّقُونَ لَا يُفَكِّرُونَ فِي فَسَادِ النِّكَاحِ بِفِسْقِ الْوَلِيِّ إلَّا عِنْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، لَا عِنْدَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالتَّوَارُثِ ، يَكُونُونَ فِي وَقْتٍ يُقَلِّدُونَ مَنْ يُفْسِدُهُ ، وَفِي وَقْتٍ يُقَلِّدُونَ مَنْ يُصَحِّحُهُ ؛ بِحَسَبِ الْغَرَضِ وَالْهَوَى ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ . وَأَمَّا إنْ كَانَ هَذَا حَلَفَ يَمِيناً بِالطَّلَاقِ ، فَلْيَذْكُرْ يَمِينَهُ لِيُفْتِيَ بِمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ حَنِثَ وَوَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَفِي الْحِنْثِ مَسَائِلُ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فَالْأَخْذُ بِقَوْلٍ سَائِغٍ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ الدُّخُولِ فِيمَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ . وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَعْتَقِدَ الرَّجُلُ ثُبُوتَ شُفْعَةِ الْجِوَارِ إذَا كَانَ طَالِباً لَهَا ، وَعَدَمَ ثُبُوتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَرِياً ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ . وَكَذَا مَنْ بَنَى