وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلَّهِ .
فَهَذَا أَكْثَرُهُ كَذِبٌ ، وَقَدْ يَكُونُ لِلَّهِ مَعَ هَوَى النَّفْسِ ، كَمَا يَدَّعِي مَنْ يَدَّعِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي صُحْبَةِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ ؛ فَيَبْقَى كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ : ( { فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } ) وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَجْلَسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ؛ وَقَالَ : إنَّمَا كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّظَرَ } " .
هَذَا وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُزَوَّجٌ بِتِسْعِ نِسْوَةٍ ؛ وَالْوَفْدُ قَوْمٌ صَالِحُونَ ، وَلَمْ تَكُنْ الْفَاحِشَةُ مَعْرُوفَةً فِي الْعَرَبِ ؟ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّحْذِيرِ عَنْ صُحْبَةِ " الْأَحْدَاثِ " مَا يَطُولُ وَصْفُهُ .
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يُفْضِي إلَى هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَإِنْ ضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً مِنْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَأْدِيبٍ ؛ فَإِنَّ " الْمُرْدَانَ " يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُمْ وَتَأْدِيبُهُمْ بِدُونِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِيهَا مَضَرَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَعَلَى مَنْ يَصْحَبُهُمْ ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ : بِسُوءِ الظَّنِّ تَارَةً ، وَبِالشُّبْهَةِ أُخْرَى ؛ بَلْ رُوِيَ : أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَجْلِسُ إلَيْهِ الْمُرْدَانُ ، فَنَهَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مُجَالَسَتِهِ .
وَلَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَابّاً فَقَطَعَ شَعْرَهُ ، لِمَيْلِ بَعْضِ النِّسَاءِ إلَيْهِ ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إخْرَاجِهِ مِنْ وَطَنِهِ ؛ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ .
وَمَنْ أَقَرَّ صَبِيّاً يَتَوَلَّاهُ : مِثْلُ ابْنِهِ ، وَأَخَاهُ ، أَوْ مَمْلُوكِهِ ، أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ : فَهُوَ دَيُّوثٌ مَلْعُونٌ ، { وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ } " فَإِنَّ الْفَاحِشَةَ الْبَاطِنَةَ مَا يَقُومُ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ فِي الْعَادَةِ ؛ وَإِنَّمَا تَقُومُ عَلَى الظَّاهِرَةِ ، وَهَذِهِ الْعِشْرَةُ الْقَبِيحَةُ مِنْ الظَّاهِرَةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } .
فَلَوْ ذَكَرْنَا مَا حَصَلَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَفَاسِدِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ الْعُلَمَاءُ : لَطَالَ .
سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ تَقِيّاً أَوْ فَاجِراً ؛ فَإِنَّ التَّقِيَّ يُعَالِجُ مَرَارَةً فِي مُجَاهَدَةِ هَوَاهُ وَخِلَافِ نَفْسِهِ ؛ وَكَثِيراً مَا يَغْلِبُهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ ؛ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحْمِلُ حِمْلاً لَا يُطِيقُهُ فَيُعَذِّبُهُ أَوْ يَقْتُلُهُ ؛ وَالْفَاجِرُ يَكْمُلُ فُجُورُهُ بِذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 203
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٠٣