تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وَقَالَ غَيْرُهُمَا : مُتَعَفِّفِينَ غَيْرَ زَانِينَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي النِّسَاءِ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } . فَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ بِكَسْرِ الصَّادِ . { وَالْمُحْصِنُ " هُوَ الَّذِي يُحْصِنُ غَيْرَهُ ؛ لَيْسَ هُوَ الْمُحْصَنُ بِالْفَتْحِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِّ . فَلَمْ يُبَحْ إلَّا تَزَوُّجُ مَنْ يَكُونُ مُحْصِناً لِلْمَرْأَةِ غَيْرَ مُسَافِحٍ وَمَنْ تَزَوَّجَ بِبَغِيٍّ مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الْبِغَاءِ وَلَمْ يُحْصِنْهَا مِنْ غَيْرِهِ - بَلْ هِيَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ النِّكَاحِ تَبْغِي مَعَ غَيْرِهِ - فَهُوَ مُسَافِحٌ بِهَا لَا مُحْصِنٌ لَهَا . وَهَذَا حَرَامٌ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ . فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إنَّك تَبْتَغِي بِمَالِك النِّكَاحَ لَا تَبْتَغِي بِهِ السِّفَاحَ فَتُعْطِيهَا الْمَهْرَ عَلَى أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَك لَيْسَ لِغَيْرِك فِيهَا حَقٌّ ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَيْتهَا عَلَى أَنَّهَا مُسَافِحَةٌ لِمَنْ تُرِيدُ ، وَإِنَّهَا صَدِيقَةٌ لَك تَزْنِي بِك دُونَ غَيْرِك فَهَذَا حَرَامٌ ؟ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ النِّكَاحُ مَقْصُودُهُ أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ ؛ لَا لِغَيْرِهِ ، وَهِيَ لَمْ تَتُبْ مِنْ الزِّنَا : لَمْ تَكُنْ مُوفِيَةً بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّهُ يُحْصِنُهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا ، فَيُسْكِنُهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الزِّنَا ؟ قِيلَ : أَمَّا إذَا أَحْصَنَهَا بِالْقَهْرِ فَلَيْسَ هُوَ بِمِثْلِ الَّذِي يُمَكِّنُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الرِّجَالِ ، وَدُخُولِ الرِّجَالِ إلَيْهَا ؛ لَكِنْ قَدْ عُرِفَ بِالْعَادَاتِ وَالتَّجَارِبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَهَا إرَادَةٌ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ احْتَالَتْ إلَى ذَلِكَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَتُخْفِي عَلَى الزَّوْجِ ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَتْ عَقْلَ الزَّوْجِ بِمَا تُطْعِمُهُ ، وَرُبَّمَا سَحَرَتْهُ أَيْضاً ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَوْجُودٌ : رِجَالٌ أَطْعَمَهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، وَسَحَرَتْهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، حَتَّى يُمْكِنَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَفْعَلَ مَا شَاءَتْ ؛ وَقَدْ يَكُونُ قَصْدُهَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَذْهَبَ هُوَ إلَى غَيْرِهَا : فَهِيَ تَقْصِدُ مَنْعَهُ مِنْ الْحَلَالِ ، أَوْ مِنْ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ . وَقَدْ تَقْصِدُ أَنْ يُمْكِنَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا شَاءَتْ فَلَا يَبْقَى مُحْصِناً لَهَا قَوَّاماً عَلَيْهَا ؛ بَلْ تَبْقَى هِيَ الْحَاكِمَةُ عَلَيْهِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا مَوْجُوداً فِيمَنْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ تَكُنْ بَغِيّاً : فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَتْ بَغِيّاً ؟ ، وَالْحِكَايَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ . وَيَا لَيْتَهَا مَعَ التَّوْبَةِ يَلْزَمُ مَعَهُ دَوَامُ التَّوْبَةِ : فَهَذَا إذَا أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا ، وَقِيلَ لَهُ : أَحْصِنْهَا ، وَاحْتَفِظْ أَمْكَنَ ذَلِكَ . أَمَّا بِدُونِ التَّوْبَةِ فَهَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ .