تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
خَطَؤُهُمْ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولُوا : الْأَرْضُ تَطْهُرُ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَالِاسْتِحَالَةِ . دُونَ الْحَصِيرِ . فَيُقَالُ : هَذَا إذَا كَانَ حَقّاً فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ . وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ ، وَهُوَ : أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُسْتَحَبُّ الْبَحْثُ عَمَّا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا ، وَلَا الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ ، لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ : إنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاحْتِرَازُ عَنْ الشُّكُوكِ فِيهِ مُطْلَقاً ، فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ مَرَّ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ بِمَكَانٍ ، فَسَقَطَ عَلَى صَاحِبِهِ مَاءٌ مِنْ مِيزَابٍ ، فَنَادَى صَاحِبَهُ : يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ ، أَمَاؤُك طَاهِرٌ أَمْ نَجَسٌ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ ، لَا تُخْبِرْهُ ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ " فَنَهَى عُمَرُ عَنْ إخْبَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّفَ مِنْ السُّؤَالِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ . وَهَذَا قَدْ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ : أَنَّ النَّجَاسَةَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا مَعَ الْعِلْمِ ، فَلَوْ صَلَّى وَبِبَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَحْمَدَ فِي أَقْوَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلِمَهَا ثُمَّ نَسِيَهَا ؛ أَوْ جَهِلَهَا ابْتِدَاءً ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، لَمَّا أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّ بِهِمَا أَذًى ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفْهَا ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَوْجُوداً فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، لَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، فَتَكَلُّفُهُ لِلْخَلْعِ فِي أَثْنَائِهَا ، مَعَ أَنَّهُ لَوْلَا الْحَاجَةُ لَكَانَ عَبَثاً أَوْ مَكْرُوهاً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ ؛ وَمَظِنَّةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضاً عَنْ { أُمِّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، فَقَالَتْ : كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْنَا شِعَارُنَا ؛ وَقَدْ أَلْقَيْنَا فَوْقَهُ كِسَاءً ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ أَخَذَ الْكِسَاءَ فَلَبِسَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ لُمْعَةٌ مِنْ دَمٍ ، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلِيهَا ، فَبَعَثَ بِهَا إلَيَّ مَصْرُورَةً فِي يَدِ غُلَامٍ ، فَقَالَ : اغْسِلِي هَذَا ، وَأَجِفِّيهَا ، وَأَرْسِلِي بِهَا إلَيَّ ، فَدَعَوْت بِقَصْعَتِي فَغَسَلْتهَا ، ثُمَّ أَجَفَفْتهَا فَأَعَدْتهَا إلَيْهِ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِصْفَ النَّهَارِ وَهِيَ عَلَيْهِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 74 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا