تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ ، وَكُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ } " . وَلِأَنَّهُ لَوْ رَأَى هِلَالَ النَّحْرِ لَمَا اشْتَهَرَ ، وَالْهِلَالُ اسْمٌ اُسْتُهِلَّ بِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْهِلَالَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَهَلَّ بِهِ النَّاسُ ، وَالشَّهْرُ بَيِّنٌ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هِلَالاً وَلَا شَهْراً . وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَّقَ أَحْكَاماً شَرْعِيَّةً بِمُسَمَّى الْهِلَالِ ، وَالشَّهْرِ : كَالصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . قَالَ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } - إلَى قَوْلِهِ - { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ } . أَنَّهُ أَوْجَبَ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنْ الَّذِي تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ أَنَّ الْهِلَالَ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَظْهَرُ فِي السَّمَاءِ ؟ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ النَّاسُ ؟ وَبِهِ يَدْخُلُ ؟ الشَّهْرُ ، أَوْ الْهِلَالُ اسْمٌ لِمَا يَسْتَهِلُّ بِهِ النَّاسُ ، وَالشَّهْرُ لِمَا اُشْتُهِرَ بَيْنَهُمْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقُولُ : مَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ فَقَدْ دَخَلَ مِيقَاتُ الصَّوْمِ ، وَدَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي حَقِّهِ ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ هِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ غَيْرُهُ . وَيَقُولُ مَنْ لَمْ يَرَهُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ طَالِعاً قَضَى الصَّوْمَ ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي شَهْرِ الْفِطْرِ ، وَفِي شَهْرِ النَّحْرِ ، لَكِنَّ شَهْرَ النَّحْرِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَداً قَالَ مَنْ رَآهُ يَقِفُ وَحْدَهُ ، دُونَ سَائِرِ الْحَاجِّ ، وَأَنَّهُ يَنْحَرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، وَيَتَحَلَّلُ دُونَ سَائِرِ الْحَاجِّ . وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْفِطْرِ : فَالْأَكْثَرُونَ أَلْحَقُوهُ بِالنَّحْرِ ، وَقَالُوا لَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَآخَرُونَ قَالُوا بَلْ الْفِطْرُ كَالصَّوْمِ . وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ الْعِبَادَ بِصَوْمِ وَاحِدِ وَثَلَاثِينَ يَوْماً ، وَتَنَاقُضُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ .