وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : إنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ ، وَيَجُوزُ فِطْرُهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِمْسَاكَ عِنْدَ الْحَائِلِ عَنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ جَائِزٌ .
فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ أَكَلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ ؟ أَمْ لَا ؟ إنْ شَاءَ تَوَضَّأَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَتَوَضَّأْ .
وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ هَلْ حَالَ حَوْلُ الزَّكَاةِ ؟ أَوْ لَمْ يَحُلْ ؟ وَإِذَا شَكَّ هَلْ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مِائَةٌ ؟ أَوْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ؟ فَأَدَّى الزِّيَادَةَ .
وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا مُحَرَّمٍ ، ثُمَّ إذَا صَامَهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ ، أَوْ بِنِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ ، بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَانَ عَنْ رَمَضَانَ ، وَإِلَّا فَلَا .
فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَهِيَ الَّتِي نَقَلَهَا الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ فِي شَرْحِهِ لِلْمُخْتَصَرِ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِمَا .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إلَّا بِنِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، كَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ : هَلْ هُوَ وَاجِبٌ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَمَضَانَ ، فَإِنْ صَامَ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ ، أَوْ مُعَلَّقَةٍ ، أَوْ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَوْ النَّذْرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ كَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ .
وَالثَّانِي : يُجْزِئُهُ مُطْلَقاً كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يُجْزِئُهُ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ ، لَا بِنِيَّةِ تَعْيِينِ ، غَيْرِ رَمَضَانَ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي الْبَرَكَاتِ .
وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَداً مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ .
فَإِنْ نَوَى نَفْلاً أَوْ صَوْماً مُطْلَقاً لَمْ يُجِزْهُ : لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاءَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلِمَ وُجُوبَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ الْوَاجِبَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 456
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٦