وَحِينَئِذٍ فَشَرْطُ كَوْنِهِ هِلَالاً وَشَهْراً شُهْرَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ .
وَاسْتِهْلَالُ النَّاسِ بِهِ حَتَّى لَوْ رَآهُ عَشَرَةٌ ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْبَلَدِ ، لِكَوْنِ شَهَادَتِهِمْ مَرْدُودَةً ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِهِ ، كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَمَا لَا يَقِفُونَ وَلَا يَنْحَرُونَ وَلَا يُصَلُّونَ الْعِيدَ إلَّا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَذَلِكَ لَا يَصُومُونَ إلَّا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ } " .
وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ : يَصُومُ مَعَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ .
قَالَ أَحْمَدُ : يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ .
وَعَلَى هَذَا تَفْتَرِقُ أَحْكَامُ الشَّهْرِ : هَلْ هُوَ شَهْرٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ ؟ أَوْ لَيْسَ شَهْراً فِي حَقِّهِمْ كُلِّهِمْ ؟ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالصَّوْمِ مَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ ، وَالشُّهُودُ لَا يَكُونُ إلَّا لِشَهْرٍ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ ، حَتَّى يُتَصَوَّرَ شُهُودُهُ ، وَالْغَيْبَةُ عَنْهُ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، وَصُومُوا مِنْ الْوَضَحِ إلَى الْوَضَحِ } " .
وَنَحْوُ ذَلِكَ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ ، لَكِنْ مَنْ كَانَ فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ، إذَا رَآهُ صَامَهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ .
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ رُئِيَ فِي مَكَان آخَرَ أَوْ ثَبَتَ نِصْفَ النَّهَارِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ .
وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .
فَإِنَّهُ إنَّمَا صَارَ شَهْراً فِي حَقِّهِمْ مِنْ حِينِ ظَهَرَ ، وَاشْتُهِرَ .
وَمِنْ حِينَئِذٍ وَجَبَ الْإِمْسَاكُ كَأَهْلِ عَاشُورَاءَ : الَّذِينَ أُمِرُوا بِالصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْقَضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَحَدِيثُ الْقَضَاءِ ضَعِيفٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
333 - 3 وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ رَأَى بَعْضُهُمْ هِلَالَ ذِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 460
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٠