تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِهِ عَنْ الشَّيْخِ . وَالثَّانِي : مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَفَسَادِهِ . أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِإِسْنَادٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلاً عَنْهُ ، وَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ تَارَةً يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادٍ ، وَتَارَةً يُذْكَرُ مُرْسَلاً . وَكَثِيراً مَا يَقُولُ : وَقِيلَ كَذَا . ثُمَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ بِالْإِسْنَادِ تَارَةً يَكُونُ إسْنَادُهُ صَحِيحاً ، وَتَارَةً يَكُونُ ضَعِيفاً ، بَلْ مَوْضُوعاً ، وَمَا يَذْكُرُهُ مُرْسَلاً وَمَحْذُوفَ الْقَائِلِ أَوْلَى ، وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِ الْفُقَهَاءِ ، فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مَا هُوَ صَحِيحٌ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ ، فَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الرَّقَائِقِ وَالتَّصَوُّفِ مِنْ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِيهَا الصَّحِيحُ وَفِيهَا الضَّعِيفُ وَفِيهَا الْمَوْضُوعُ . وَهَذَا الْأَمْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ فِيهَا هَذَا ، وَفِيهَا هَذَا . بَلْ نَفْسُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي التَّفْسِيرِ فِيهَا هَذَا ، وَهَذَا ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولَاتِ ، وَفِي كُتُبِهِمْ هَذَا وَهَذَا ، فَكَيْفَ غَيْرُهُمْ . وَالْمُصَنَّفُونَ قَدْ يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الْفِقْهِ ، أَوْ التَّصَوُّفِ ، أَوْ الْحَدِيثِ ، وَيَرْوُونَ هَذَا تَارَةً لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الدِّينِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ ، وَتَارَةً يَذْكُرُونَهُ ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ إذْ قَصْدُهُمْ رِوَايَةُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ ، وَرِوَايَةُ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ مَعَ بَيَانِ كَوْنِهَا كَذِباً جَائِزٌ . وَأَمَّا رِوَايَتُهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمَلٍ ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثاً وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ } . وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، مُتَأَوِّلِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا ، وَإِنَّمَا نَقَلُوا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ ، وَهَذَا يَسْهُلُ إذَا رَوَوْهُ لِتَعْرِيفِ أَنَّهُ رُوِيَ ، لَا لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ .