صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ } وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ ، فِي الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئاً مِنْ الْقُرْآنِ ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي فِي صَلَاتِي ، قَالَ : قُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } .
وَلِهَذَا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبَةً ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ لَا تَعْدِلُ عَنْهَا إلَى الذِّكْرِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَالْبَدَلُ دُونَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ .
وَأَيْضاً فَالْقِرَاءَةُ تُشْتَرَطُ لَهَا الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى دُونَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ .
وَمَا لَمْ يُشْرَعْ إلَّا عَلَى الْحَالِ الْأَكْمَلِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا اُشْتُرِطَ لَهَا الطَّهَارَتَانِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ، اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ } وَلِهَذَا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ .
وَأَيْضاً : فَمَا يُكْتَبُ فِيهِ الْقُرْآنُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا طَاهِرٌ ، وَقَدْ حَكَى إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ أَفْضَلُ ، لَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ رَجَّحُوا الذِّكْرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ فِي حَقِّ الْمُنْتَهِي الْمُجْتَهِدِ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ فِي كُتُبِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ أَرْجَحُ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِئِ السَّالِكِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُذْكَرُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ .
وَالثَّانِي : مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَمِثْلُ أَنْ يَقْتَرِنَ إمَّا بِزَمَانٍ ، أَوْ بِمَكَانٍ ، أَوْ عَمَلٍ يَكُونُ أَفْضَلَ ، مِثْلَ مَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 388
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٨