تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ أَفْضَلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، وَكَذَلِكَ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا كَالْحَمَّامِ ، وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ ، وَالْمَقْبَرَةِ ، فَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا أَفْضَلُ ، وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ الذِّكْرُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، فَإِذَا كُرِهَ الْأَفْضَلُ فِي حَالِ حُصُولِ مَفْسَدَةٍ كَانَ الْمَفْضُولُ هُنَاكَ أَفْضَلَ بَلْ هُوَ الْمَشْرُوعُ . وَكَذَلِكَ حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً ، أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } . وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَتَنَازَعُوا فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ ، هُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَذَلِكَ تَشْرِيفاً لِلْقُرْآنِ ، وَتَعْظِيماً لَهُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِي حَالِ الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ ، كَمَا كُرِهَ أَنْ يُقْرَأَ مَعَ الْجِنَازَةِ ، وَكَمَا كَرِهَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قِرَاءَتَهُ فِي الْحَمَّامِ . وَمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، هُوَ حَالُ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ . وَالدُّعَاءُ فِيهِ هُوَ أَفْضَلُ بَلْ هُوَ الْمَشْرُوعُ دُونَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ ، وَكَذَلِكَ بِالطَّوَافِ ، وَبِعَرَفَةَ ، وَمُزْدَلِفَةَ ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ . وَالْمَشْرُوعُ هُنَاكَ هُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ : هَلْ تُكْرَهُ أَمْ لَا تُكْرَهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَاجِزاً عَنْ الْعَمَلِ الْأَفْضَلِ ، إمَّا عَاجِزاً عَنْ أَصْلِهِ ، كَمَنْ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَسْتَطِيعُ حِفْظَهُ ، كَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَاجِزاً عَنْ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَفْضُولِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ . وَمِنْ هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ : إنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ يُخْبِرُ عَنْ حَالِهِ ، وَأَكْثَرُ السَّالِكِينَ ، بَلْ الْعَارِفِينَ مِنْهُمْ إنَّمَا يُخْبِرُ أَحَدُهُمْ عَمَّا ذَاقَهُ وَوَجَدَهُ ، لَا يَذْكُرُ أَمْراً عَاماً لِلْخَلْقِ ، إذْ الْمَعْرِفَةُ تَقْتَضِي أُمُوراً مُعَيَّنَةً جُزْئِيَّةً . وَالْعِلْمُ يَتَنَاوَلُ أَمْراً عَامّاً كُلِّيّاً ، فَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَجِدُ فِي الذِّكْرِ مِنْ اجْتِمَاعِ قَلْبِهِ ، وَقُوَّةِ إيمَانِهِ ، وَانْدِفَاعِ الْوَسْوَاسِ عَنْهُ ، وَمَزِيدِ السَّكِينَةِ ، وَالنُّورِ وَالْهُدَى ، مَا لَا يَجِدُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، بَلْ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَفْهَمُهُ ، أَوْ