تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
اسْتَأْثَرُوا وَظَلَمُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ ، وَاعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ . وَمُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا فَاسِقٌ ، وَالْأَئِمَّةُ لَا يُقَاتَلُونَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ الْمَقْدُورُ قَدْ يُقْتَلُ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ : كَالزِّنَا ، وَغَيْرِهِ . فَلَيْسَ كُلَّمَا جَازَ فِيهِ الْقَتْلُ . جَازَ أَنْ يُقَاتَلَ الْأَئِمَّةُ لِفِعْلِهِمْ إيَّاهُ ؛ إذْ فَسَادُ الْقِتَالِ أَعْظَمُ مِنْ فَسَادِ كَبِيرَةٍ يَرْتَكِبُهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ . وَلِهَذَا نَصَّ مَنْ نَصَّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ تُصَلَّى خَلْفَ الْفُسَّاقِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا . وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ فُسَّاقٌ ، وَقَدْ أَمَرَ بِفِعْلِهَا خَلْفَهُمْ نَافِلَةً . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْفِسْقَ بِتَفْوِيتِ الصَّلَاةِ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ . لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : الْكَبِيرَةُ تَفْوِيتُهَا دَائِماً ، فَإِنَّ ذَلِكَ إصْرَارٌ عَلَى الصَّغِيرَةِ . قِيلَ لَهُ : قَدْ تَقَدَّمَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْوَعِيدَ يَلْحَقُ بِتَفْوِيتِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ . وَأَيْضاً فَإِنَّ الْإِصْرَارَ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْعَوْدِ ، وَمَنْ أَتَى صَغِيرَةً وَتَابَ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا ، لَمْ يَكُنْ قَدْ أَتَى كَبِيرَةً . وَأَيْضاً فَمَنْ اشْتَرَطَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى التَّفْوِيتِ مُحْتَاجٌ إلَى ضَابِطٍ ، فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى طُولِ عُمْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَإِنْ أَرَادَ مِقْدَاراً مَحْدُوداً طُولِبَ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ . وَأَيْضاً فَالْقَتْلُ بِتَرْكِ وَاحِدَةٍ أَبْلَغُ مِنْ جَعْلِ ذَلِكَ كَبِيرَةً ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . 98 - 14 مَسْأَلَةٌ : عَنْ مُسْلِمٍ تَارِكٍ لِلصَّلَاةِ ، وَيُصَلِّ الْجُمُعَةَ . فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ ؟ فَأَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، هَذَا اسْتَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنْ يُسْتَتَابَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَعْنُ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ جَائِزٌ ، وَأَمَّا لَعْنَةُ الْمُعَيَّنِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتُوبَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .