وَهَلْ قِرَاءَتُهُ لِلْفَاتِحَةِ مَعَ الْجَهْرِ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ .
وَالثَّانِي : إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَاخْتِيَارُ جَدِّي أَبِي الْبَرَكَاتِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، كَمَا لَا سَبِيلَ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَفِي فَسْخِ الْحَجِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ .
يَتَعَيَّنُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ النَّظَرُ فِيمَا يُوجِبُهُ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ ، وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيراً مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : صَلَاةُ الْعَصْرِ يَخْرُجُ وَقْتُهَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، كَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : حِينَئِذٍ يَدْخُلُ وَقْتُهَا ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَقْتٍ تَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ بَعْدَ الزَّوَالِ بَعْدَ مَصِيرِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَالْمَغْرِبُ أَيْضاً تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّى بَعْدَ الْغُرُوبِ ، وَالْعِشَاءُ تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّى بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَبْيَضِ ، إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَالْفَجْرُ تُجْزِئُ بِاتِّفَاقِهِمْ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْإِسْفَارِ الشَّدِيدِ ، وَأَمَّا الْعَصْرُ فَهَذَا يَقُولُ : تُصَلَّى إلَى الْمِثْلَيْنِ ، وَهَذَا يَقُولُ : لَا تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الْمِثْلَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُصَلَّى مِنْ حِينِ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ ، فَوَقْتُهَا أَوْسَعُ ، كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ ، وَهَؤُلَاءِ ، وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَدَنِيَّةُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ فِيهَا بِقَوْلٍ يَجْمَعُ ، لَكِنْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ عَلَيْهِ دَلَائِلُ شَرْعِيَّةٌ تُبَيِّنُ الْحَقَّ .
وَمِنْ ذَلِكَ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ الْحَجَّ الَّذِي اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى جَوَازِهِ أَنْ يُهِلَّ مُتَمَتِّعاً يَحْرُمُ بِعُمْرَةٍ ابْتِدَاءً ، وَيُهِلَّ قَارِناً وَقَدْ سَاقَ الْهَدْيَ ، فَأَمَّا إنْ أَفْرَدَ أَوْ قَرَنَ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَفِي حَجِّهِ نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنَقُولُ : إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ اسْتَمَعَ لِقِرَاءَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ لِبُعْدِهِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 287
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٧