وَهَارُونَ : { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو ، وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ .
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مُؤَمِّناً عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ ، فَيَدْعُو بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، كَمَا فِي دُعَاءِ الْفَاتِحَةِ فِي قَوْلِهِ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا أَمَّنَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَدْعُو لَهُمَا جَمِيعاً ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ خَانَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ .
فَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَدْعُو فِيهَا كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ كَالإسْتِفْتَاحِ ، وَمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَكَمَا أَنَّ الْمَأْمُومَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ ، فَالْإِمَامُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ ، كَمَا يُسَبِّحُ الْمَأْمُومُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، إذَا سَبَّحَ الْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَكَمَا يَتَشَهَّدُ إذَا تَشَهَّدَ ، وَيُكَبِّرُ إذَا كَبَّرَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُفَرِّطُ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ كَانَ صَحِيحاً صَرِيحاً مُعَارِضاً لِلْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَلِعَمَلِ الْأُمَّةِ ، وَالْأَئِمَّةِ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ مِنْ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ حَسَنٌ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ لَكَانَ عَامّاً ، وَتِلْكَ خَاصَّةٌ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ .
ثُمَّ لَفْظُهُ { فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ } يُرَادُ بِمِثْلِ هَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ دُعَاءٌ ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ تَأْمِينِهِمْ .
وَأَمَّا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤَمِّنِينَ عَلَى الدُّعَاءِ كُلَّمَا دَعَا ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ كَمَا حَصَلَ لَهُ بِفِعْلِهِمْ ، وَلِهَذَا جَاءَ دُعَاءُ الْقُنُوتِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ : { اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك ، وَنَسْتَهْدِيك } إلَى آخِرِهِ .
فَفِي مِثْلِ هَذَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَيَتْبَعُ السُّنَّةَ عَلَى وَجْهِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
210 - 126 مَسْأَلَةٌ : فِيمَنْ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ : هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ بِدْعَةٌ ؟ وَذَكَرُوا أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ صَلَّاهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَتَمَّمَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ؟ .
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
السُّنَّةُ فِي التَّرَاوِيحِ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ .
وَالنَّقْلُ الْمَذْكُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَاطِلٌ ؛ فَمَا كَانَ الْأَئِمَّةُ يُصَلُّونَهَا إلَّا بَعْدَ الْعِشَاءِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَعَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ ، لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ تَعَمَّدَ صَلَاتَهَا قَبْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 254
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٤