الْقُنُوتِ ، كَمَا أَنَّهُ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ دَعَا بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ ، فَكَذَلِكَ إذَا دَعَا فِي الِاسْتِنْصَارِ دَعَا بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ ، كَمَا لَوْ دَعَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ السَّبَبِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِمَا يُنَاسِبُ الْمَقْصُودَ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ مِنْ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ ، فَإِنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ يُسَنُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَنَحْوِهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ ، وَلَا يَسْجُدُ لَهُ ، لَكِنْ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلاً فِي ذَلِكَ لَهُ تَأْوِيلُهُ ، كَسَائِرِ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ .
وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ إمَامَهُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، فَإِذَا قَنَتَ قَنَتَ مَعَهُ ، وَإِنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ لَمْ يَقْنُتْ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ } وَقَالَ : { لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ : { يُصَلُّونَ لَكُمْ ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ ، وَلَهُمْ ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ ، وَعَلَيْهِمْ } .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَرَأَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِسُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَطَوَّلَهُمَا عَلَى الْأُولَيَيْنِ : لَوَجَبَتْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ .
فَأَمَّا مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ .
فَإِذَا قَنَتَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَابِقَهُ : فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَابَعَتِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى عُثْمَانَ التَّرْبِيعَ بِمِنًى ، ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ أَرْبَعاً ، فَقِيلَ لَهُ : فِي ذَلِكَ ؟ ، فَقَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ .
وَكَذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ وَقْتِ الرَّمْيِ ، فَأَخْبَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ إمَامُك ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
209 - 125 مَسْأَلَةٌ : فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يَؤُمُّ قَوْماً فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ } .
فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ كُلَّمَا دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُشْرِكَ الْمَأْمُومِينَ ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَخُصُّ نَفْسَهُ بِدُعَائِهِ فِي صَلَاتِهِ دُونَهُمْ ؟ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ ؟
الفتاوى الكبرى — صفحة 252
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٢