تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وَبَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ فِي أَغْلِبْ الْأَوْقَاتِ ، فَيَرَاهُ بِدْعَةً ، وَيَجْعَلُ فِعْلَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَخْصُوصاً أَوْ مَنْسُوخاً ، إنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ ، مِثْلَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي جَمَاعَةٍ . فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ صَلَّى بِاللَّيْلِ وَخَلْفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَّةً ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مَرَّةً } " . وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا . وَكَذَلِكَ { صَلَّى بِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ التَّطَوُّعَ جَمَاعَةً : وَصَلَّى بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ فِي دَارِهِ } ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ هَذَا فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ " صَلَاةِ الْأَلْفِيَّةِ " لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ ، وَالرَّغَائِبِ ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُدَاوِمُونَ فِيهِ عَلَى الْجَمَاعَاتِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ التَّطَوُّعَ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إنَّمَا سُنَّتْ فِي الْخَمْسِ ، كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا سُنَّ فِي الْخَمْسِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّوَابَ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، فَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي جَمَاعَةٍ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ سُنَّةً رَاتِبَةً ، كَمَنْ يُقِيمُ لِلْمَسْجِدِ إمَاماً رَاتِباً يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ ، أَوْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، كَمَا يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَذَاناً كَأَذَانِ الْخَمْسِ ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إذْ ذَاكَ . وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ . فَرَأَى كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ . وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ : تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً ؛ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ . وَقَالَ طَائِفَةٌ : قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً } . وَاضْطَرَبَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ ، لَمَّا ظَنُّوهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ . وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ حَسَنٌ ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا عَدَداً ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا ، بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ . فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ : { أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَآلِ عِمْرَانَ ، فَكَانَ طُولُ الْقِيَامِ يُغْنِي عَنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ } . وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَمَّا قَامَ بِهِمْ . وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ -
الفتاوى الكبرى — صفحة 250 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا