تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
الْقَطْعَ بِمَذْهَبِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَطْعِيّاً عِنْدَ شَخْصٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيّاً عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا ادَّعَتْ طَائِفَةٌ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ عِنْدَهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيّاً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ قَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي الْقَطْعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقَطْعِ ، كَمَا يَغْلَطُ فِي سَمْعِهِ وَفَهْمِهِ وَنَقْلِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ ، كَمَا قَدْ يَغْلَطُ الْحِسُّ الظَّاهِرُ فِي مَوَاضِعَ ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ : الْأَقْوَالُ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ : طَرَفَانِ ، وَوَسَطٌ . الطَّرَفُ الْأَوَّلُ : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ . مُدَّعِياً أَنَّهُ مَذْهَبُهُ ، أَوْ نَاقِلاً لِذَلِكَ رِوَايَةً عَنْهُ . وَالطَّرَفُ الْمُقَابِلُ لَهُ : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ آيَةٌ أَوْ بَعْضُ آيَةٍ ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ ، وَإِنَّمَا يُسْتَفْتَحُ بِهَا فِي السُّوَرِ تَبَرُّكاً بِهَا ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ فِيهِ دَلِيلٌ . وَالْقَوْلُ الْوَسَطُ : أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ ، وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْ السُّوَرِ ، بَلْ كُتِبَتْ آيَةً فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، وَكَذَلِكَ تُتْلَى آيَةً مُنْفَرِدَةً فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، كَمَا تَلَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ { إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ } كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . كَمَا فِي قَوْلِهِ : { إنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ ، وَهِيَ سُورَةُ { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } } رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ مَنْ حَقَّقَ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَتَوَسَّطَ فِيهَا جَمْعٌ مِنْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ ، وَكِتَابَتِهَا سَطْراً مَفْصُولاً عَنْ السُّورَةِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي الْفَاتِحَةِ قَوْلَانِ ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ :