{ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } فَقَالَ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } فَإِذَا أَمَرَنَا الرَّسُولُ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَهُ ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ جِهَةَ أَمْرِهِ ، وَطَاعَتُهُ طَاعَةُ اللَّهِ ، لَا تَكُونُ طَاعَتُهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ قَطُّ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
وَقَدْ ذَكَرَ النَّاسُ مِنْ خَصَائِصِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَيُكْرَمُ بِهِ ، مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهِ .
وَبَعْضُ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُهُ مُتَنَازَعٌ فِيهِ .
وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَامُ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ ، وَهُوَ الَّذِي يَغْزُو بِهِمْ ، وَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَوْفِي الْحُقُوقَ ، وَهُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِحَسَبِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ ، فَإِمَامُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ يَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمِيرُ الْغَزْوِ يَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ ، وَاَلَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ يَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ .
وَاَلَّذِي يَقْضِي أَوْ يُفْتِي يَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ .
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي أُمُورٍ فَعَلَهَا : هَلْ هِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَمْ لِلْأُمَّةِ فِعْلُهَا ؟ كَدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ إمَاماً ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ غَيْرُهُ ، وَكَتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَالِّ وَالْقَاتِلِ .
وَأَيْضاً فَإِذَا فَعَلَ فِعْلاً لِسَبَبٍ ، وَقَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ السَّبَبَ ، أَمْكَنَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ ، فَأَمَّا إذَا لَمْ نَعْلَمْ السَّبَبَ ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ أَمْراً اتِّفَاقِيّاً ، فَهَذَا مِمَّا يَتَنَازَعُ فِيهِ النَّاسُ : مِثْلَ نُزُولِهِ فِي مَكَان فِي سَفَرِهِ .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ نَزَلَ ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ نَفْسُ مُوَافَقَتِهِ فِي الْفِعْلِ هُوَ حَسَنٌ ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ هُوَ اتِّفَاقاً ، وَنَحْنُ فَعَلْنَاهُ لِقَصْدِ التَّشَبُّهِ بِهِ .
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ : إنَّمَا تُسْتَحَبُّ الْمُتَابَعَةُ إذَا فَعَلْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ ، فَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ اتِّفَاقاً لَمْ يُشْرَعْ لَنَا أَنْ نَقْصِدَ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يَفْعَلُونَ ، كَمَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ .
وَأَيْضاً فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ ، يَكُونُ تَارَةً فِي نَوْعِ الْفِعْلِ ، وَتَارَةً فِي جِنْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِمَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعَ وَغَيْرَهُ ، لَا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ ، فَيَكُونُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْأَمْرُ الْعَامُّ .
مِثَالُ ذَلِكَ احْتِجَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ لِحَاجَتِهِ إلَى إخْرَاجِ الدَّمِ الْفَاسِدِ ، ثُمَّ التَّأَسِّي هَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْحِجَامَةِ ؟ أَوْ الْمَقْصُودُ إخْرَاجُ الدَّمِ عَلَى الْوَجْهِ النَّافِعِ ؟
الفتاوى الكبرى — صفحة 156
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٦