وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّمَتُّعُ وَالْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ فِي الْحَجِّ .
فَإِنَّ مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ جَوَازُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ .
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا التَّمَتُّعُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالشِّيعَةِ ، وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُتْعَةِ ، وَيُعَاقِبُونَ مَنْ تَمَتَّعَ .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَمَتَّعَ فِيهِ ، أَوْ أَفْرَدَ أَوْ قَرَنَ ؟ وَتَنَازَعُوا أَيُّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ ؟ فَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ تَظُنُّ أَنَّهُ تَمَتَّعَ تَمَتُّعاً حَلَّ فِيهِ مِنْ إحْرَامِهِ .
وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، وَلَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ حَتَّى طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ .
وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، تَظُنُّ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَاعْتَمَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ .
وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تَظُنُّ أَنَّهُ قَرَنَ قِرَاناً طَافَ فِيهِ طَوَافَيْنِ ، وَسَعَى فِيهِ سَعْيَيْنِ .
وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّهُ أَحْرَمَ مُطْلَقاً .
وَكُلُّ ذَلِكَ خَطَأٌ لَمْ تَرْوِهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ بَلْ عَامَّةُ رِوَايَاتِ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقَةٌ ، وَمَنْ نَسَبَهُمْ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلِعَدَمِ فَهْمِهِ أَحْكَامَهُمْ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ نَقَلُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، هَكَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ ، وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ ، وَأَنَّهُ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعاً ، كَمَا نَقَلُوا أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ ، بَلْ لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ الْحَجِّ إلَّا عَائِشَةَ ؛ لِأَجْلِ حَيْضَتِهَا .
وَلَفْظُ " الْمُتَمَتِّعِ " فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ اسْمٌ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهِمَا جَمِيعاً ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ فِي عُرْفِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ قَضَاءِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ ، أَوْ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسُقْهُ ، وَهَذَا قَدْ يُسَمُّونَهُ مُتَمَتِّعاً التَّمَتُّعَ الْخَاصَّ ، وَقَارِناً .
وَقَدْ يَقُولُونَ : لَا يَدْخُلُ فِي التَّمَتُّعِ الْخَاصِّ ، بَلْ هُوَ قَارِنٌ .
وَمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ يُسَمُّونَهُ تَمَتُّعاً جَاءَ مُصَرَّحاً بِهِ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ؛ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَقَلُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ ، فَإِنَّهُ أَفْرَدَ أَعْمَالَ الْحَجِّ ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِهِ الْهَدْيَ ، فَهُوَ لَمْ يَتَمَتَّعْ مُتْعَةً حَلَّ فِيهَا مِنْ إحْرَامِهِ ؛ فَلِهَذَا صَارَ كَالْمُفْرِدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 133
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٣