تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ الْغَيْمِ : إذَا حَالَ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ ، أَوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، فَكَانَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يَصُومُهُ احْتِيَاطاً ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُفْطِرُ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَداً مِنْهُمْ أَوْجَبَ صَوْمَهُ ، بَلْ الَّذِينَ صَامُوهُ إنَّمَا صَامُوهُ عَلَى طَرِيقِ التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ ، وَالْآثَارُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُمْ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ ، كَمَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . وَالْعُلَمَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ : مِنْهُمْ مَنْ نَهَى عَنْ صَوْمِهِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُهُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَعُ فِيهِ الْأَمْرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْإِمْسَاكِ إذَا غَمَّ مَطْلَعُ الْفَجْرِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ اتِّبَاعاً لِابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِيجَابِ ، كَسَائِرِ مَا يُشَكُّ فِي وُجُوبِهِ ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ احْتِيَاطاً مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ . وَإِذَا صَامَهُ الرَّجُلُ بِنِيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ ، فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ نَوَاهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّيْءَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْصِدَهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقْصِدَ صَوْمَ رَمَضَانَ جَزْماً مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ . وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَاَلَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ، فَلَا يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخَانِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ . وَمَا كَانَ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا أَحْيَاناً عِنْدَ الْحَاجَةِ ، لَمْ يَكُنْ جَمْعُهُ كَقَصْرِهِ ، بَلْ الْقَصْرُ سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ ، وَالْجَمْعُ رُخْصَةٌ عَارِضَةٌ ، فَمَنْ نَقَلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَبَّعَ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ أَوْ الْعِشَاءَ فَهَذَا غَلَطٌ ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَلَا ضَعِيفٍ . وَلَكِنْ رَوَى بَعْضُ النَّاسِ حَدِيثاً عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ يَقْصُرُ ، وَتُتِمُّ ، وَيُفْطِرُ ، وَتَصُومُ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْت يَا عَائِشَةُ } فَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ هُوَ كَانَ الَّذِي يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ ،