تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
قَدْ أَتَى بِالْأَفْضَلِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَرَّرَ قِرَاءَتَهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كَانَ أَحْسَنَ مِمَّنْ تَرَكَ قِرَاءَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ مَا كَتَبَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي الْمَصَاحِفِ ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ كَتَبُوهَا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُقْرَأَ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكْتُبُونَ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَا يُشْرَعُ قِرَاءَتُهُ ، وَهُمْ قَدْ جَرَّدُوا الْمُصْحَفَ عَمَّا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا التَّأْمِينَ ، وَلَا أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَلَا التَّخْمِيسَ ، وَالتَّعْشِيرَ ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ . مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ : آمِينَ ، فَكَيْفَ يَكْتُبُونَ مَا لَا يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَهُ ، وَهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا مَا يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَهُ الْمُصَلِّي مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ أَنَسٍ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ { فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } أَوْ { فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى { فَلَمْ يَكُونُوا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا آخِرِهَا } إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّ أَنَساً لَمْ يَنْفِ إلَّا مَا عَلِمَ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَا كَانَ يَقُولُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرّاً . وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ ، بَلْ يَصِلُ التَّكْبِيرَ بِالْقِرَاءَةِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ { أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت سُكُوتَك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ ، مَاذَا تَقُولُ } وَمَنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى نَفْيِ قِرَاءَتِهَا سِرّاً فَهُوَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ مُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ ، وَهَذَا أَيْضاً ضَعِيفٌ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي مَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ صَلَّى خَلْفَهُمْ أَنَسٌ يَقْرَؤُونَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ السُّورَةِ ، وَلَمْ يُنَازِعْ فِي ذَلِكَ أَحْمَدُ وَلَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَحَدٌ لَا أَنَسٌ وَلَا غَيْرُهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَرْوِيَ أَنَسٌ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ ، وَمَنْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ أَوْ لَا يَقْرَأهَا ، فَرِوَايَتُهُ تُوَافِقُ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ ، لِأَنَّ أَنَساً لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هَلْ قَرَأَهَا سِرّاً أَمْ لَا ، وَإِنَّمَا نَفَى الْجَهْرَ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ : فِعْلُ الرَّوَاتِبِ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 124 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا