السَّفَرِ ، فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ فَعَلَهَا ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، وَالصَّلَاةُ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا وَتَرْكُهَا ، قَدْ يَكُونُ فِعْلُهَا أَحْيَاناً أَفْضَلَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَيْهَا ، وَقَدْ يَكُونُ تَرْكُهَا أَفْضَلَ إذَا كَانَ مُشْتَغِلاً عَنْ النَّافِلَةِ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا ؛ لَكِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي مِنْ الرَّوَاتِبِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ } ، { وَلَمَّا نَامَ عَنْ الْفَجْرِ صَلَّى السُّنَّةَ وَالْفَرِيضَةَ بَعْدَمَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ } ، { وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا } ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ .
فَأَمَّا الصَّلَاةُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ ، فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ .
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرِيضَةِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ شَيْئاً .
وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَّتَ أَشْيَاءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ؛ بَلْ أَحَادِيثَ يَعْلَمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ ، كَمَا يُوَقِّتُ سِتّاً قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَأَرْبَعاً بَعْدَهَا ، وَأَرْبَعاً قَبْلَ الْعَصْرِ ، وَأَرْبَعاً قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَأَرْبَعاً بَعْدَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ الْقَوْلُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ مَا عَارَضَهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } وَحَدِيثُ عَائِشَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضاً ، وَسَائِرُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحِ ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا التِّرْمِذِيُّ { صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ } .
وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيْرَ فَرِيضَةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ } .
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَنِ تَفْسِيرُهَا : { أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ رَغَّبَ بِقَوْلِهِ فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
الفتاوى الكبرى — صفحة 125
مساهمون: ابن تيمية
ص١٢٥