تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ فِي الضَّرْبَةِ وَاللَّطْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، عَدَلَ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى التَّعْزِيرِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ ، مَا جَاءَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَالْمُمَاثَلَةِ . فَإِنَّا إذَا تَحَرَّيْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِهِ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ ، وَنُقَرِّبَ الْقَدْرَ مِنْ الْقَدْرِ ، كَانَ هَذَا أَمْثَلَ مِنْ أَنْ نَأْتِيَ بِجِنْسٍ مِنْ الْعُقُوبَةِ تُخَالِفُ عُقُوبَتَهُ جِنْساً وَقَدْراً وَصِفَةً . وَهَذَا النَّظَرُ أَيْضاً فِي ضَمَانِ الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ تَقْرِيباً أَوْ بِالْقِيمَةِ ، كَمَا نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ ضَمَانِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ . وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ خَرَّبَ حَائِطَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَبْنِيهِ كَمَا كَانَ ، وَبِهَذَا قَضَى سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حُكُومَةِ الْحَرْثِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا هُوَ وَأَبُوهُ ، كَمَا قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ . فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْمَقْصُودُ لِلشَّرِيعَةِ فِيهَا تَحَرِّي الْعَدْلِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . وَهُوَ مَقْصُودُ الْعُلَمَاءِ . لَكِنْ أَفْهَمُهُمْ مَنْ قَالَ بِمَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْعَدْلِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أُوتِيَ عِلْماً وَحُكْماً ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ . وَضِدُّهُ الظُّلْمُ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا } . وَلَمَّا كَانَ الْعَدْلُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ عِلْمٌ . إذْ مَنْ لَا يَعْلَمُ لَا يَدْرِي مَا الْعَدْلُ . وَالْإِنْسَانُ ظَالِمٌ جَاهِلٌ إلَّا مَنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَصَارَ عَالِماً عَادِلاً . صَارَ النَّاسُ مِنْ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ : الْعَالِمُ الْعَادِلُ ، وَالْجَاهِلُ وَالظَّالِمُ . فَهَذَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ . رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ } . فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ ، كَمَا قَالَ : { مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَخْطَأَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 99 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا