تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وَلِهَذَا قِيلَ : الْهُدَى أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ . أَحَدُهَا : الْهِدَايَةُ إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا ، فَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالْأَعْجَمِ ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ . وَالثَّانِي : الْهُدَى بِمَعْنَى دُعَاءِ الْخَلْقِ إلَى مَا يَنْفَعُهُمْ وَأَمْرُهُمْ بِذَلِكَ ، وَهُوَ نَصْبُ الْأَدِلَّةِ ، وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ ، وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ ، فَهَذَا أَيْضاً يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ سَوَاءٌ آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } . وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنَّك لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . فَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ : { إنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } . يُبَيِّنُ أَنَّ الْهُدَى الَّذِي أَثْبَتَهُ هُوَ الْبَيَانُ وَالدُّعَاءُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّعْلِيمُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ ، لَيْسَ هُوَ الْهُدَى الَّذِي نَفَاهُ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : الْهُدَى الَّذِي هُوَ جَعْلُ الْهُدَى فِي الْقُلُوبِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ بِالْإِلْهَامِ وَالْإِرْشَادِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ ، كَالتَّوْفِيقِ عِنْدَهُمْ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ ، جَعَلَ التَّوْفِيقَ وَالْهُدَى وَنَحْوَ ذَلِكَ خَلْقَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ . أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمَا اسْتِطَاعَتَانِ : إحْدَاهُمَا : قَبْلَ الْفِعْلِ ، وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي التَّعْكِيفِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : { صَلِّ قَائِماً ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ } . وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ يَقْتَرِنُ بِهَا الْفِعْلُ تَارَةً ، وَالتَّرْكُ أُخْرَى ، وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ الْقَدَرِيَّةُ غَيْرَهَا ، كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لَمْ