وَلِهَذَا كَانَ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ فِي ، مِثْلِ قَوْلِهِ : { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .
لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلاً فِي الْقِسْطِ ، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلاً فِي الْإِيمَانِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } .
{ مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك } .
هَذَا إذَا قِيلَ إنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَتَنَاوَلُهُ سَوَاءٌ ، قِيلَ إنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ دَاخِلاً فِي الْأَوَّلِ .
فَيَكُونُ مَذْكُوراً مَرَّتَيْنِ ، أَوْ قِيلَ : بَلْ عَطْفُهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلاً فِيهِ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلاً فِيهِ مُنْفَرِداً ، كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا تَتَنَوَّعُ دَلَالَتُهُ بِالْأَفْرَادِ وَالِاقْتِرَانِ .
لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ ، وَكُلَّ شَرٍّ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الظُّلْمِ ، وَإِذَا كَانَ الْعَدْلُ أَمْراً وَاجِباً فِي كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّماً فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلِكُلِّ أَحَدٍ ، فَلَا يَحِلُّ ظُلْمُ أَحَدٍ أَصْلاً سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِماً أَوْ كَافِراً أَوْ كَانَ ظَالِماً ، بَلْ الظُّلْمُ إنَّمَا يُبَاحُ أَوْ يَجِبُ فِيهِ الْعَدْلُ عَلَيْهِ أَيْضاً .
قَالَ - تَعَالَى - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ } أَيْ : يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُ ، أَيْ بُغْضُ قَوْمٍ وَهُمْ الْكُفَّارُ عَلَى عَدَمِ الْعَدْلِ : { قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } ، وَقَالَ تَعَالَى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 97
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٧