الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ ، وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ ، وَلَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الطَّوَافَ ، بَلْ نِهَايَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، كَمَا يُكْرَهُ الْعَبَثُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ قَطَعَ الطَّوَافَ لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، أَوْ جِنَازَةٍ أُقِيمَتْ ، بَنَى عَلَى طَوَافِهِ ، وَالصَّلَاةُ لَا تُقْطَعُ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ مَحْظُورَاتُ الصَّلَاةِ مَحْظُورَةٌ فِيهِ ، وَلَا وَاجِبَاتُ الصَّلَاةِ وَاجِبَاتٌ فِيهِ : كَالتَّحْلِيلِ ، وَالتَّحْرِيمِ ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِيمَا يَجِبُ لَهَا ، وَيَحْرُمُ فِيهَا فَمَنْ أَوْجَبَ لَهُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، وَمَا أَعْلَمُ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ .
ثُمَّ تَدَبَّرْت وَتَبَيَّنَ لِي أَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ لَا تُشْتَرَطُ فِي الطَّوَافِ ، وَلَا تَجِبُ فِيهِ بِلَا رَيْبٍ ، وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى فِيهِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ جِنْسَ الطَّوَافِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، بَلْ جِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْأَقْوَالِ ، وَالسُّجُودُ أَفْضَلُ مَا فِيهَا مِنْ الْأَفْعَالِ ، وَالطَّوَافُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ .
وَإِذَا قِيلَ : الطَّوَافُ قَدْ فُرِضَ بَعْضُهُ .
قِيلَ لَهُ : قَدْ فُرِضَتْ الْقِرَاءَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إلَّا بِقِرَاءَةٍ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ الطَّوَافُ بِالصَّلَاةِ ؟
وَإِذَا كَانَتْ الْقِرَاءَةُ أَفْضَلَ ، وَهِيَ تَجُوزُ لِلْحَائِضِ لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، فَالطَّوَافُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ مَعَ الْحَاجَةِ .
وَإِذَا قِيلَ : أَنْتُمْ تُسَلِّمُونَ أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْأَصْلِ مَحْظُورٌ عَلَى الْحَائِضِ ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ .
قِيلَ : مَنْ عَلَّلَ بِالْمَسْجِدِ فَلَمْ يُسَلِّمْ أَنَّ نَفْسَ فِعْلِهِ مَحْظُورٌ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ سَلَّمَ ذَلِكَ يَقُولُ : وَكَذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْحَائِضِ ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، يُحَرِّمُهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلْحَاجَةِ فَالطَّوَافُ أَوْلَى .
ثُمَّ مَسُّ الْمُصْحَفِ يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى ، عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ سَلْمَانَ ، وَسَعْدٍ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 459
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٩