مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ ، فَإِبَاحَةُ الطَّوَافِ لِلضَّرُورَةِ لَا تُنَافِي تَحْرِيمَهُ بِذَلِكَ النَّصِّ ، كَإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ لِلضَّرُورَةِ بَدَلَ التَّيَمُّمِ ، بَلْ وَبِلَا وُضُوءٍ ، وَلَا تَيَمُّمٍ لِلضَّرُورَةِ ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ لَمَّا فَقَدُوا الْمَاءَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ .
وَكَإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِلَا قِرَاءَةٍ لِلضَّرُورَةِ ، مَعَ قَوْلِهِ : { لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ } .
وَكَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مَعَ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ ، مَعَ قَوْلِهِ : { حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ } .
وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَكَانِ النَّجِسِ لِلضَّرُورَةِ ، مَعَ قَوْلِهِ : { جُعِلَتْ لِي كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِداً وَطَهُوراً } .
بَلْ تَحْرِيمُ الدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَعْظَمُ الْأُمُورِ ، وَقَدْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ .
وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ : أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، لِنَهْيِ الْحَائِضِ عَنْهُ ، وَالصَّلَاةُ أَكْمَلُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ ، فَلِهَاتَيْنِ الْحُرْمَتَيْنِ مُنِعَتْ مِنْهُ الْحَائِضُ ، وَلَمْ تَأْتِ سُنَّةٌ تَمْنَعُ الْمُحْدِثَ مِنْهُ ، وَمَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْمُحْدِثِ ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ مَعَ الضَّرُورَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى : كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَكَالإعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهَا مَعَ الْحَدَثِ ، فَلَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ مَعَ الضَّرُورَةِ : كَمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَغَيْرِهِ .
وَمَنْ جَعَلَ حُكْمَ الطَّوَافِ مِثْلَ حُكْمِ الصَّلَاةِ فِيمَا يَجِبُ وَيَحْرُمُ ، فَقَدْ خَالَفَ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ ، وَدَلِيلٌ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ ذَلِكَ تُقَدَّرُ مُقَدَّمَاتُهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَا بِأَقْوَالِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ لَهَا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَا يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَمَنْ تَرَبَّى عَلَى مَذْهَبٍ قَدْ تَعَوَّدَهُ وَاعْتَقَدَ مَا فِيهِ ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 461
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦١