وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ : إنَّ طَوَافَ أَهْلِ الْآفَاقِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُمْكِنُهُمْ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِمَكَّةَ ، وَالْعَمَلُ الْمَفْضُولُ فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ يُقَدَّمُ عَلَى الْفَاضِلِ ، لَا لِأَنَّ جِنْسَهُ أَفْضَلُ كَمَا يُقَدَّمُ الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ ، وَيُقَدَّمُ الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الْقِرَاءَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعاً وَسَاجِداً } .
وَكَمَا يُقَدَّمُ الْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، وَكَمَا تُقَدَّمُ إجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفُوتُ وَذَلِكَ لَا يَفُوتُ الْآفَاقِيَّ إذَا خَرَجَ فَقُدِّمَ ذَلِكَ لَا لِأَنَّ جِنْسَهُ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، بَلْ وَلَا مِثْلُهَا فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ ، وَالْحَجُّ كُلُّهُ لَا يُقَاسُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عَمُودُ الدِّينِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ بِهَا بَعْضُ أَفْعَالِهِ ، وَإِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ الْحَجَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ ، وَلَمْ يُوجِبْ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِ مَرَّتَيْنِ ، بَلْ إنَّمَا فَرَضَ طَوَافاً وَاحِداً ، وَوُقُوفاً وَاحِداً ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي أَنَصِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إلَّا سَعْياً وَاحِداً ، إمَّا قَبْلَ التَّعْرِيفِ وَإِمَّا بَعْدَهُ ، بَعْدَ الطَّوَافِ ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجِبُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ إلَّا حَجَّ الْبَيْتِ ، وَلَمْ يُوجِبْ الْعُمْرَةَ ، وَلَكِنْ أَوْجَبَ إتْمَامَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى مَنْ يَشْرَعُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ ، فَيَجِبُ إتْمَامُهَا كَمَا يَجِبُ إتْمَامُ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ ، وَاَللَّهُ لَمْ يُوجِبْ إلَّا مُسَمَّى الْحَجِّ ، لَمْ يُوجِبْ حَجَّيْنِ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ اسْمِ الْحَجِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، فَلَا يَجِبُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ ، فَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ يَجِبْ إلَّا عَمَلٌ وَاحِدٌ مَرَّتَيْنِ .
وَهَذَا خِلَافُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي الْحَجِّ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 457
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٥٧