تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَفِي تَقْدِيرِ الْكَبِيرِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ ، فَهُنَا أَيْضاً اشْتَبَهَتْ الْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ بِالطَّاهِرَةِ ، فَاشْتَبَهَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ . قِيلَ : هَذَا صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ مَسْأَلَتُنَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ اجْتَنَبَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُمَا لَزِمَ اسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ قَطْعاً ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ : كَالنَّجَاسَةِ إذَا ظَهَرَتْ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَ أَحَدَهُمَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ كَانَ تَرْجِيحاً بِلَا مُرَجِّحٍ ، وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ ، فَلَيْسَ اسْتِعْمَالُ هَذَا بِأَوْلَى مِنْ هَذَا ، فَيُجْتَنَبَانِ جَمِيعاً . وَأَمَّا اشْتِبَاهُ الْمَاءِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ ، فَإِنَّمَا نَشَأَ فِيهِ النِّزَاعُ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالطَّهُورِ وَاجِبَةٌ ، وَبِالنَّجَسِ حَرَامٌ ، فَقَدْ اشْتَبَهَ وَاجِبٌ بِحَرَامٍ . وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا التَّحَرِّيَ قَالُوا : اسْتِعْمَالُ النَّجِسِ حَرَامٌ ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الطَّهُورِ فَإِنَّمَا يَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ هُنَا . وَلِهَذَا تَنَازَعُوا : هَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْدَمَ الطَّهُورَ بِخَلْطٍ أَوْ إرَاقَةٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ كَالْعَجْزِ . وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا جَوَّزَ التَّحَرِّيَ إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِمَا الطَّهَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ اسْتَعْمَلَ مَا أَصْلُهُ طَاهِرٌ وَقَدْ شَكَّ فِي تَنَجُّسِهِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ . وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُ قَالُوا : مَا صَارَ نَجِساً بِالتَّغَيُّرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ نَجِسِ الْأَصْلِ قَدْ زَالَ الِاسْتِصْحَابُ بِيَقِينِ النَّجَاسَةِ كَمَا لَوْ حُرِّمَتْ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِرَضَاعٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَكُونُ مُحَرَّمَةَ الْأَصْلِ عِنْدَهُ ، وَمَسْأَلَةُ اشْتِبَاهِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ ذَاتُ فُرُوعٍ مُتَعَدِّدَةٍ . وَأَمَّا إذَا اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ ، وَقُلْنَا يَتَحَرَّى أَوْ لَا يَتَحَرَّى ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَى بَدَنِ الْإِنْسَانِ ، أَوْ ثَوْبِهِ ، أَوْ طَعَامِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحَدِهِمَا : لَا يُنَجِّسُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 239 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا