تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الْجُنُبُ يَدَهُ فِيهِ ، هَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ ، وَهُوَ نَظِيرُ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ يَدَهُ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ : كَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ . وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْغُسْلَ أَوْ لَا يَنْوِيَهُ ، فَإِنْ نَوَى مُجَرَّدَ الْغُسْلِ صَارَ مُسْتَعْمَلاً ، وَإِنْ نَوَى مُجَرَّدَ الِاغْتِرَافِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلاً . وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلاً عَلَى الصَّحِيحِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ اغْتَرَفَ مِنْ الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ } كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ اغْتَرَفَ مِنْهُ فِي الْجَنَابَةِ وَلَمْ يُحَرِّجْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . بَلْ قَدْ عَلِمْنَا يَقِيناً أَنَّ : أَكْثَرَ تَوَضُّؤَ الْمُسْلِمِينَ وَاغْتِسَالِهِمْ عَلَى عَهْدِهِ كَانَ مِنْ الْآنِيَةِ الصِّغَارِ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْمِسُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ جَمِيعاً ، فَمَنْ جَعَلَ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلاً بِذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّقَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَنَحْنُ نَحْتَرِزُ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِ مَنْ يُنَجِّسُ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ . قِيلَ : هَذَا أَبْعَدُ عَنْ السُّنَّةِ ، فَإِنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ نَجَاسَةٌ حِسِّيَّةٌ : كَنَجَاسَةِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا . مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ ، وَالْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ . وَلَيْسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَوَارِدِ الظُّنُونِ ، بَلْ هِيَ قَطْعِيَّةٌ بِلَا رَيْبٍ . فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَبَّ وَضُوءَهُ عَلَى جَابِرٍ } ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، كَمَا يَأْخُذُونَ نُخَامَتَهُ ، وَكَمَا اقْتَسَمُوا شَعْرَهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . فَمَنْ نَجَّسَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَجَّسَ شُعُورَ الْآدَمِيِّينَ ، بَلْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَجَّسَ الْبُصَاقَ كَمَا يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ . وَأَيْضاً فَبَدَنُ الْجُنُبِ طَاهِرٌ بِالنَّصِّ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالْمَاءُ الطَّاهِرُ إذَا لَاقَى مَحَلّاً طَاهِراً لَمْ يُنَجَّسْ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ طَهَارَةً ، وَأَنَّهَا ضِدُّ النَّجَاسَةِ فَضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ