تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وَإِلَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَلَالَ حَرَاماً : مِثْلُ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ صُوَرِ النِّزَاعِ مِثْلُ الضَّبِّ وَغَيْرِهِ ، بَلْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ قَتْلِ الْمَعْصُومِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، فَأَصْحَابُ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ عُذِرُوا ، وَعُرِفَتْ مَرَاتِبُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا تَبَيَّنَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهَدْيِ لِأَجْلِ تَأْوِيلِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : إنَّهُ قَدْ يَغْمِسُ يَدَهُ فِيهِ ، أَوْ يَنْغَمِسُ فِيهِ الْجُنُبُ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَنَّ هَذَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ : فَكَيْفَ تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَنَابَةُ ؟ وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ : " أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ " بِأَجْوِبَةٍ . أَحَدُهَا : أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الِاغْتِسَالِ ، وَعَنْ الْبَوْلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُفْضِي إلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَتَغَيَّرَ الْمَاءُ ، وَإِذَا بَالَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَقَدْ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ قَبْلَ اسْتِحَالَتِهِ . وَهَذَا جَوَابُ مَنْ يَقُولُ : الْمَاءُ لَا يُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ . الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، تَوْفِيقاً بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . وَهَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ . الثَّالِثُ : أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْبَوْلِ ، وَالْبَوْلُ أَغْلَظُ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ ، وَصِيَانَةُ الْمَاءِ مِنْهُ مُمْكِنَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ ، فَلِمَا غَلُظَ وَصِيَانَةُ الْمَاءِ عَنْهُ مُمْكِنَةٌ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَعْسُرُ صِيَانَةُ الْمَاءِ عَنْهُ وَهُوَ دُونَهُ ، وَهَذَا جَوَابُ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ . الْجَوَابُ الرَّابِعُ : أَنَّا نَفْرِضُ أَنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ ، وَأَنَّ الْمُغْتَسِلِينَ غَمَسُوا فِيهِ أَيْدِيَهُمْ ، فَهَذَا بِعَيْنِهِ صُورَةُ النُّصُوصِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَزْوَاجِهِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْمَاءَ الْمُتَطَهِّرَ بِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً إذَا غَمَسَ