تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وَأَمَّا دُخَانُ النَّجَاسَةِ : فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ : أَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ الْخَبِيثَةَ إذَا اسْتَحَالَتْ حَتَّى صَارَتْ طَيِّبَةً كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الطَّيِّبَةِ ، مِثْلَ : أَنْ يَصِيرَ مَا يَقَعُ فِي الْمَلَّاحَةِ مِنْ دَمٍ وَمَيْتَةٍ وَخِنْزِيرٍ ، مِلْحاً طَيِّباً كَغَيْرِهَا مِنْ الْمِلْحِ ، أَوْ يَصِيرَ الْوُقُودُ رَمَاداً ، وَخُرْسَفاً ، وقصرملا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : لَا يَطْهُرُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : أَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهَا تَطْهُرُ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَمْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ التَّحْرِيمِ لَا لَفْظاً ، وَلَا مَعْنًى ، فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَلَا فِي مَعْنَى الْمُحَرَّمِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهَا ، بَلْ تَتَنَاوَلُهَا نُصُوصُ الْحِلِّ ، فَإِنَّهَا مِنْ الطَّيِّبَاتِ ، وَهِيَ أَيْضاً فِي مَعْنَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى حِلِّهِ ، فَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَحْلِيلَهَا . وَأَيْضاً فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْخَمْرِ إذَا صَارَتْ خَلّاً بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، صَارَتْ حَلَالاً طَيِّباً ، وَاسْتِحَالَةُ هَذِهِ الْأَعْيَانِ أَعْظَمُ مِنْ اسْتِحَالَةِ الْخَمْرِ ، وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا قَالُوا : الْخَمْرُ نَجُسَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ فَطَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ . بِخِلَافِ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ . وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ نَجُسَتْ أَيْضاً بِالِاسْتِحَالَةِ ، فَإِنَّ الدَّمَ مُسْتَحِيلٌ عَنْ أَعْيَانٍ طَاهِرَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْعَذِرَةُ وَالْبَوْلُ ، وَالْحَيَوَانُ النَّجَسُ ، مُسْتَحِيلٌ عَنْ مَادَّةٍ طَاهِرَةٍ مَخْلُوقَةٍ . وَأَيْضاً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَبَائِثَ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ وَصْفِ الْخَبَثِ ، كَمَا أَنَّهُ أَبَاحَ الطَّيِّبَاتِ لِمَا قَامَ بِهَا مِنْ وَصْفِ الطَّيِّبِ ، وَهَذِهِ الْأَعْيَانُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ وَصْفِ الْخَبَثِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا وَصْفُ الطَّيِّبِ . فَإِذَا عُرِفَ هَذَا : فَعَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ : فَالدُّخَانُ ، وَالْبُخَارُ الْمُسْتَحِيلُ عَنْ النَّجَاسَةِ : طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ هَوَائِيَّةٌ وَنَارِيَّةٌ وَمَائِيَّةٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ وَصْفِ الْخَبَثِ