أهل الاكتساب بل هي مختصة بالأحباب ومن ذلك من شرب طرب من الباب 256 لا يطرب الشارب إلا إذا
شرب خمرا وإذا شرب خمرا فقد جاء شيئا إمرا لأنه يخامر العقول فيحول بينها وبين الأفكار فيجعل العواقب
في الأخبار فيبدي الأسرار برفع الأستار فحرمت في الدنيا لعظم شأنها وقوة سلطانها وهي لذة للشاربين حيث
كانت ولهذا عزت وما هانت في الدنيا محرمة وفي الآخرة مكرمة هي ألذ أنهار الجنان ولها مقام الإحسان عطاؤها
أجزل العطاء ولهذا يقول من أصابه حكمها وما أخطأ
فإذا سكرت فإنني * رب الخورنق والسرير
وهو صادق وإذا فارقه حكمها وعفا عنه رسمها يقول أيضا ويصدق وقال الحق
وإذا صحوت فإنني * رب الشويهة والبعير
وهذا المقام أعلى لأنه رب الحيوان فتفطن لهذا الميزان ومن ذلك من ارتوى غوى من الباب 257
من ارتوى غوى ومن غوى هوى ألا تراه أهبط وفي يديه سقط فاستدرك الغلط حين هبط فتلقى من ربه ما تلقاه
من الكلمات فتاب ففاز بحسن المآب لأنه ما يقصد انتهاك الحرمة ولا الخروج من النور إلى الظلمة مخالفة
العارف تحفه ولو ساقت إليه حتفه فصاحب التحف من الآمنين في الغرف فإن من شرف العلم أن يعطي العالم
كل مرتبة ما لها من الحكم ومن علم السر أن لا يقطع العالم به على ربه عز وجل بأمر فإن قطع وحكم فقد جهل
وظلم ومع أنه ما عصى إلا بعلمه ولا خولف إلا بحكمه لا يقول ذلك العاصي وإن اعتقده وكان ممن اطلع عليه وشهده
وكذلك حكم من أطاعه إلى قيام الساعة فالعلماء هم الحكام والحكماء لا يتعدون بالسلعة قيمتها ولا بكل نشأة
شيمتها لولا ذلك الارتواء ما كانت الأنبياء ولا فرق في الأحكام بين الأعداء والأولياء ولا عرفت المراتب
ولا شرعت المذاهب ولا كانت التكاليف ولا حكمت التصاريف ولا كان أجل مسمى ولا تميز البصير من
الأعمى ومن ذلك من لم يرتو من مائه لم يكن من أنبيائه من الباب 258 من شرب من الماء حيي حياة
العلماء ومن شرب اللبن تميز في رجال ليمن ومن شرب العسل المصفى كان في وحيه ممن وفي ومن شرب الخمر لم
يكتم الأمر الخمر للسماح واللبن للافصاح والماء لحياة الأرواح والعسل علم أصحاب الجناح فهو العلم الصراح قد
علم كل أناس مشربهم وحققوا مذهبهم جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق
ما يشاء وواضع في المعارج سبلا فلها النقص والمشا لو شرب الخمر لضلت الأمة وغوت بإظهار ما عليه حوت والدنيا
دار حجاب فلا بد من غلق الباب ولا بد من الحجاب وهم الرسل أولوا الألباب فبعثة الرسل لتعيين السبل وإقامة
الخلفاء في الأرض من القرض ليشوقوا النفوس المحجوبة بما وصفوه وما شرعوه من الأمور المطلوبة ومن
ذلك من محى رسمه زال اسمه من الباب 259 صنعت الترياقات لرفع ضرر السموم وسكنت إلا هو البقاء
السموم وعينت الأحكام لبقاء الرسوم فهي عصمة للأرواح إلى أن توفي تدبير هذه الأشباح فإذا فرع قبولها
وحصل لها من رسولها سؤلها وانقضى زمان التدبير وانكسر وعاء الإكسير ووقع الاشتياق إلى لقاء الغياب
ومشاهدة الأحباب جاء الموت بما فيه من تلافيه فأخلي البلد وفرق بين الروح والجسد ورد كل شئ إلى أصله
وجمع بينه وبين أقاربه وأهله فالحق الجسم مع أترابه بترابه وعرج بالروح المشبه في الإضاءة بيوح فألحقه
بالروح المضاف إليه ونزل به عليه وتلك حضرة قدسه ومجلس أنسه فقبله وقبله وبادر إليه عند قدومه واستقبله
فالسعيد أعطاه أمله والشقي تركه وخذله ومن ذلك من أعطى الثبات أمن البيات من الباب 260 من لم
يخف البيات أصبح في الأموات يا أيها الأصفياء لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء لا تلقوا إليهم بالمودة وأعطوا
لكل ذي عهد منهم عهده أثبت على دينك واحذر منهم أن يؤثروا في يقينك من دان بالصليب لحق بأهل
القليب لا تشرك بالله أحدا واتخذ التوحيد سندا ما للحريد فديد لعدم السامع من الوجود كيف له بالصوت
وقد اتصف بالموت ينسب إلى الميت الكلام كنسبته إلى النيام يقول ويقال له وما يسمع اليقظان إلى جنبه زجله
الفتوحات المكية — صفحة 381
مساهمون: ابن عربي
ص٣٨١